بقلم: أحمد حسن فتيحي
الاستثمار في الشغف: رحلة أغسطس 1962
حاولنا.. ولازلنا.. نبني لمستقبل مضيء في علاقاتنا التجارية مع كل من نتعامل معهم. تعود بي الذاكرة إلى أول رحلة لي في أغسطس 1962م إلى ميلانو، قبل أربعة وستون عاماً. كنت حينها أتعامل مع بيروت لتأمين بضائع متجري في جدة، ورغم محدودية الإمكانيات المادية، كان المعروض عندي يتميز بلمسة خاصة.
قررت السفر لاستكشاف المصدر الإيطالي مباشرة بعد نصيحة صائغ لبناني مدح لي ميلانو في أغسطس، مشيراً إلى اعتدال مناخها. ذهبت بصحبة زوجتي (أم الوليد)، ولم يكن بحوزتي سوى ألفي دولار أمريكي أمر بها أبي لمصاريف الرحلة، ولم يكن في نيتي الشراء بل التعلم والاستجمام.
عقبة “الإجازة الجماعية” والفرصة الذهبية
عند وصولي، صُدمت بأن المحلات والمكاتب تقفل أبوابها في أغسطس للإجازة السنوية. أدركت حينها أن نصيحة زميلي في بيروت كانت تهدف لتعطيلي عن كشف أسرار الموردين!
لم أستسلم، واستعنت بدليل الهاتف في الفندق، وتواصلت مع تاجر يدعى (Corletto) في شارع (Via Santa Maria Beltrade). رغم اعتذاره الأولي بأن مخزونه في البنك والمكتب خالٍ، إلا أن إصراري وصبري قادانا إلى حل:
- المقترح الجريء: اقترحت عليه الذهاب للبنك والمعاينة هناك.
- الثقة المتبادلة: أخرجت 1000 دولار وعرضت الدفع نقداً وفوراً، رغم تخوفي الداخلي البسيط، إلا أنني فضلت الوفاء بوعدي بالدفع المباشر على نظام التحصيل البنكي.
من “الفانوس الصغير” إلى العالمية
اشتريت بذلك المبلغ كيلو ذهب واحد عيار 18 مشغولاً، كان يتميز بقطع من “الذهب الأبيض” الذي كان نادراً في أسواقنا آنذاك. (للمقارنة: كان سعره ألف دولار، واليوم يقارب 166 ألف دولار).
عند وصول الشحنة إلى جدة، دفعت رسوم جمركية بلغت 25%، وتفننت في عرضها بـ “الفانوس الصغير” (فترينة العرض). لم يمضِ أسبوعان حتى نفدت الكمية بالكامل، لتكون هذه الانطلاقة لسلسلة من الرحلات والنجاحات.
حصاد النزاهة: وسام الفارس
بعد ستة وثلاثون عاماً من تلك الرحلة، وتحديداً في عام 1998م، توجت هذه العلاقة التجارية الممتدة بمنحي وسام (Commendatore) برتبة “فارس” من رئيس الجمهورية الإيطالية، وهو وسام يمنح لرجال الأعمال الأكثر نزاهة وتميزاً في التعامل مع إيطاليا. تسلمت الوسام من السفير الإيطالي بجدة بحضور وزير الخارجية الإيطالي.
هذه قصة الكيلو الأول.. والوسام الأول.. ولنا عودة لشهادات وذكريات أخرى، لعل فيها عبرة وفائدة للشباب الشغوف بالنجاح.
وفي الختام، نسأل الله أن يديم على بلادنا عزها ورخاءها تحت ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، الذين يدفعون دائماً بعجلة التنمية والريادة السعودية نحو آفاق عالمية.