⚖️ فلسفة “الغاية” وهزيمة “الشكلية”​قراءة تأصيلية في المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية

بقلم المحامي سنان بيرق

​تنهض العدالة على ساقين: الحق في جوهره، والإجراء في مظهره. والمادة الخامسة من نظام المرافعات هي “ميزان الذهب” الذي يحفظ هذا التوازن، لكي لا تطغى الأشكال على الحقائق، ولا تضيع الحقوق في متاهات القوالب الجامدة.

​📜 النص النظامي (المادة الخامسة):
​”يكون الإجراء باطلاً إذا نصَّ النظام على بطلانه، أو شابه عيبٌ تخلف بسببه الغرض من الإجراء، ولا يُحكم بالبطلان – برغم النص عليه – إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء.”
هنا يضع المنظم السعودي “ثلاثية الوجود والعدم” للإجراء القضائي:
​البطلان النصي: وهو “الإعدام الفوري” لإجراءٍ ولد مشوهاً بنص القانون؛ فمتى ما قال المنظم “هذا باطل”، كُفنت الورقة قبل أن تُقرأ.
​البطلان الجوهري: وهو بطلانٌ بالعلة لا بالحرف، حيث يقع الإجراء عاجزاً عن حمل أمانته، كوعاءٍ انثقب قاعه فلا يحفظ للعدل ماءً.
​سيادة الغاية: وهنا تتجلى عبقرية التشريع؛ فالإجراء “وسيلة” والعدل “غاية”. فإذا تعثرت الوسيلة ووصلت الغاية، غفر القانون للخلل الشكلي زلّته، وصافح “روح الحق” متجاوزاً “جمود الحرف”.
​ النص اللائحي (الفقرة ١/٥):
​”يعود تقدير تحقق الغاية من الإجراء للدائرة.”
لم يترك المنظم “الغاية” نهباً للظنون، بل جعلها تحت رعاية “التقدير القضائي الرفيع”. الدائرة هنا ليست مجرد آلة حاسبة، بل هي “عينٌ فاحصة” تزن الضرر والمنفعة: هل تضرر الخصم من النقص؟ هل فُقدت ضمانة جوهرية؟
فإذا رأت الدائرة أن “شمس الحقيقة” قد أشرقت رغم غيوم الخطأ الإجرائي، مضت في حكمها وأهدرت القول بالبطلان؛ لأن الغاية هي “سيدة الموقف”، والعدل لا يضحي باليقين من أجل حرفٍ ناقص.
حقيقة،
​المادة الخامسة هي ثورة القانون على “الشكلية المرهقة”؛ تخبرنا أن الإجراءات وُجدت لتكون خادمةً للحق لا قيداً عليه. فمتى ما أدركنا “المقصد”، تهاوى صنم “الشكل”.

شاهد أيضاً

إدارة المشاريع القانونية: من الفوضى إلى الاحتراف

بقلم روابي مشبب العتيبي في عالم القانون، كثير يعتقد أن النجاح يعتمد فقط على قوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *