بين المهلة والحق… حين تطرق العدالة باب الزمن

✍️ المحامي سنان منصر بيرق

في دهاليز القضاء لا يتحرك الزمن ببطء، ولا يركض عبثًا؛ بل يسير بخطى محسوبة، كأنّه قاضٍ آخر يراقب الخصوم من علٍ، ويقرر متى يُبقي باب التقاضي مفتوحًا، ومتى يطويه بإحكام. فالاستئناف — من حيث الشكل — ليس مجرد إجراء إداري بارد، بل هو لحظة مفصلية تتعلق بحق الإنسان في أن يُسمع صوته مرة أخرى وأن يقدّم حجته أمام محكمة أعلى، لكنها لحظة لا تغتفر لمن يتأخر عنها.
وقد أراد المنظّم السعودي أن يضع حدودًا واضحة لهذا الحق؛ حدودًا تُصان بها هيبة التقاضي، ويستقيم بها ميزان العدالة، فلا تترك الدعاوى معلّقة ولا يتحول القضاء إلى طريق بلا نهاية.
ولذلك جاءت المادة (187) من نظام المرافعات الشرعية لتقول نصًا:
“مدة الاعتراض بطلب الاستئناف أو التدقيق ثلاثون يومًا، ويستثنى من ذلك الأحكام الصادرة في المسائل المستعجلة فتكون عشرة أيام. فإذا لم يقدم المعترض اعتراضه خلال هاتين المدتين سقط حقه في طلب الاستئناف أو التدقيق، وعلى الدائرة المختصة تدوين محضر بسقوط حق المعترض عند انتهاء مدة الاعتراض في ضبط القضية.”
إنه نص لا يقبل التأويل: الزمن هنا ليس خيارًا، بل شرط لصحة الطريق.
ومن لم يدرك هذه الحقيقة، فقد يضيع حقه وهو لا يزال يبحث عن ورقة أو يراجع ذاكرة.
ولم يغفل المشرّع عن دور محاكم الاستئناف، فبيّن في المادة السابعة عشرة من نظام القضاء:
“تتولى محاكم الاستئناف النظر في الأحكام القابلة للاستئناف الصادرة من محاكم الدرجة الأولى، وتحكم بعد سماع أقوال الخصوم، وفق الإجراءات المقررة في نظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية.”
إن وظيفة محكمة الاستئناف ليست إعادة القضية من جديد فحسب، بل أن تنظر إليها بعين أكثر عمقًا، لتتأكد من أن العدالة لم تُمسّ، وأن الحكم قد صدر على أرضية سليمة.
ولأن القضايا الجزائية تمسّ النفس والدم والعِرض، جاءت المادة (194) من نظام الإجراءات الجزائية لتضع القيد نفسه بعبارات صارمة:
“مدة الاعتراض بطلب الاستئناف أو التدقيق ثلاثون يومًا. فإذا لم يقدم المعترض اعتراضه خلال هذه المدة سقط حقه في طلب الاستئناف أو التدقيق. وإذا كان الحكم صادرًا بالقتل، أو الرجم، أو القطع، أو القصاص في النفس أو فيما دونها، فيجب رفعه إلى محكمة الاستئناف لتدقيقه ولو لم يطلب أحد الخصوم ذلك.”
هنا يصبح الزمن أكثر قدسية؛ فالأحكام الكبرى التي تمسّ الحياة ذاتها تُرفع تلقائيًا، حتى لو سكت الخصوم… كأن العدالة تقول:
“لن أترك مصير إنسان مرهونًا بإهمال أو نسيان.”
وفي ساحات القضاء الإداري — حيث يشتكي المواطن من قرار جهة حكومية — يتكرر المبدأ ذاته. فقد نصت المادة الثالثة والثلاثون من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم على أن:
“1- مع مراعاة ما ورد في الفقرة (2) من هذه المادة، تكون المهلة المحددة للاعتراض على الأحكام ثلاثين يومًا من تاريخ تسلم صورة نسخة الحكم، أو من التاريخ المحدد للتسلُّم في حال عدم الحضور. وإذا لم يقدم الاعتراض خلال هذه المهلة من أطراف الدعوى؛ يصبح الحكم نهائيًا واجب النفاذ.”
وهكذا يتّضح أن الأنظمة — على اختلاف ميادينها — تتحدث لغة واحدة:
الحق مرتبط بالمُهلة، والمهلة جزء من الحق.
إن الاستئناف — من حيث الشكل — ليس مجرد ورقة موقّعة أو تسليم شكلي، بل هو احترام للنظام، وللوقت، وللمسار القضائي الذي أراد له المنظّم أن يكون واضحًا لا لبس فيه. ومن يلتزم بالمدد، يحفظ لنفسه باب العدالة مفتوحًا؛ ومن يضيّعها، يغلق الباب بيده.

فالعدالة لا تنتظر أحدًا… لكنها لا تخذل من أدرك وقتها وطرق بابها في حينه.

شاهد أيضاً

سِيادةُ الأثَر: هَنْدَسةُ “المِيثاقِ الرَّقمي” في رِحابِ مكة

​بقلم: المحامي سِنان مُنصر بيرق ​إنَّ المتأمّلَ في تاريخِ العدالةِ يُدركُ أنَّ القوانينَ لم تَكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *