ان هذا التأمل الإيماني في سورة الكهف يفتح لنا آفاقاً واسعة من الطمأنينة، خاصة وأننا نستلهم دائماً من توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، ضرورة العناية بالقيم الروحية والاجتماعية التي تبني الإنسان وتمنحه الأمل.
في لحظات الابتلاء، حين تنغلق الأبواب وتضيق الخيارات، تأتي آيات القرآن الكريم لتضع بين أيدينا مفاتيح الأمل والسكينة. ومن أعظم هذه الآيات قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾.
مفهوم “النشر” في الرحمة
كلمة “ينشر” في اللغة العربية توحي بالبسط والاتساع والشمول. فحين قرر أصحاب الكهف الفرار بدينهم، لم يختاروا قصراً ولا مدينة، بل لجأوا إلى “كهف” ضيق مظلم بمقاييس المادة، لكن الوعد الرباني كان “النشر”.
تحويل الضيق إلى سعة: الرحمة حين تنشر، تجعل من الكهف الضيق عالماً من الراحة، ومن الخوف أمناً، ومن الحيرة طمأنينة.
تعدد صور الرحمة: لم يقل “يرحمكم” فقط، بل قال “ينشر لكم من رحمته”، ليشمل ذلك تيسير المخرج، ولطف القلوب، وسلامة الأبدان، وستر العيوب.
التهيئة الربانية و”المرفق”
تختتم الآية بكلمة بليغة وهي “مرفقاً”، والمرفق هو كل ما يرتفق به وينتفع به من رفق ولين وتيسير.
الراحة النفسية: أن يشعر الإنسان بالرضا رغم قسوة الظروف.
النجاة من الكرب: تهيئة أسباب مادية لم تكن في الحسبان (مثل نومهم الطويل وتقلبهم الذي حفظ أجسادهم).
الرسالة لنا اليوم
إن هذه الآية تعلمنا أن اللجوء إلى الله “الإيواء” هو الشرط الأساسي لنيل هذا النشر. فمهما بلغت شدة الكرب، فإن رحمة الله ليست محصورة في الأماكن الفسيحة أو الظروف المثالية؛ بل هي تنشر في كل مكان، وتُهيئ لنا من أمرنا ما نرتفق به ونستعين به على مواصلة الحياة بيقين وثبات.
الخلاصة: إن ضيق المكان لا يمنع سعة الرحمة، والكهف الذي تدخله طاعةً لله سيكون أوسع من الدنيا التي تخرج منها فراراً بدينك ويقينك.