بقلم الدكتور /
خالد بن عمر بن محمد العمودي :جدة:-
حكمة الآباء في صيانة الهيبة الإلهية
“مقوله أتذكرها قالها لي الوالد -رحمة الله – (أكذب ولكن لا تقسم بالله ) كم كان لها الأثر الايجابي”
نعم في بيوتنا القديمة، وبين جدران المحبة الصادقة، كان الآباء يمنحوننا دروساً في التربية لا توجد في بطون الكتب.
ومن أعمق تلك الدروس مقولة قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها فلسفة أخلاقية مذهلة، وهي: “أكذب ولكن لا تقسم بالله”.
رحم الله ذلك الجيل الذي عرف كيف يربي فينا “عظمة الله” حتى في لحظات ضعفنا البشري. هذه العبارة ليست تصريحاً بالكذب، بل هي حائط صدٍّ أخير يمنع الانهيار الأخلاقي الكامل للإنسان.
1-الوعي بالضعف البشري :
التربية الذكية هي التي تدرك أن النفس البشرية قد تضعف، وأن الإنسان قد يقع في فخ الكذب خوفاً أو خجلاً أو طلباً لمنفعة. هنا تأتي هذه النصيحة لتقول لك: “إن غلبك شيطانك ووقعت في الخطأ، فلا تشرك عظمة الخالق في سقطتك”. إنها تضع حداً فاصلاً بين الذنب السلوكي وبين الجرأة العقائدية.
2- تعظيم الله.. صمام الأمان للضمير
عندما يمتنع المرء عن القسم بالله وهو كاذب، فإنه يبقي في قلبه مساحة من “الهيبة” و”الاستحياء”. هذا الامتناع هو اعتراف ضمني بأن الله أكبر من أن يُستخدم اسمه كأداة لتمرير باطل. إن بقاء هذه الشعرة من التقوى هو ما يمنع القلب من “الرين” ويجعل العودة إلى الصدق والاعتذار والتوبة أمراً ممكناً وقريباً.
3- الحماية من “اليمين الغموس”
لقد أدرك آباؤنا بفطرتهم الإيمانية خطورة “اليمين الغموس” التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار. فكانت نصيحتهم بمثابة طوق نجاة؛ فالكذب وحده خطيئة تُغتفر بالاستغفار، لكن استغلال اسم الله في الكذب خيانة أمانة عظمى ومجاوزة لحدود الأدب مع الخالق.
4- التربية بالمهابة لا بالترهيب فقط
هذه المدرسة التربوية تعلّمنا أن غرس “هيبة الله” في النفوس أقوى من سرد قائمة المحرمات فقط. فالشخص الذي يخشى أن ينطق باسم الله كذباً، سيجد نفسه تدريجياً يشعر “بضعف” كذبته التي لا يستطيع دعمها بقسم، مما يقوده في نهاية المطاف إلى نبذ الكذب تماماً حياءً من الله أولاً، ثم احتراماً لنفسه.
خاتمة:
إن هذه القاعدة الأخلاقية التي ورثناها هي حماية لديننا وإن أخطأنا. فالمخطئ الذي يعظم ربه يظل قلبه حياً، أما من تجرأ على القسم كذباً فقد كسر الحاجز الأخير بينه وبين الضلال. رحم الله والداً وضع لنا في الكلمة الواحدة منهج حياة، وحفظ لنا “بوصلة التقوى” حتى في ساعات التيه.
رسالة لاحبابي لكل قارئ:
اجعل بينك وبين الذنوب الكبرى “حرمة” لا تنتهكها أبداً، فالهيبة التي تضعها لله في قلبك هي التي ستقودك يوماً للعودة إلى جادة الصواب.