بقلم: نسرين أبوالجدايل
في العلاقات الإنسانية لا شيء يحفظ الود ويطيل عمر المحبة أكثر من حسن الظن والتماس الأعذار للآخرين .
وقد اشتهرت بين الناس مقولة: التمس لأخيك سبعين عذرا، وهي وإن كانت تذكر كثيرا على الألسنة، فإن معناها العميق يعبر عن خلق إسلامي وإنساني رفيع، يقوم على الرحمة وفهم طبيعة البشر.
فالإنسان ليس آلة تعمل بالكفاءة نفسها كل يوم، بل تمر به ظروف نفسية وتعب وإرهاق وضغوط لا يراها الآخرون و أن للإنسان قدرة محدودة قد تضعف أحيانا، فلا ينبغي أن نحاسبه دائما بمنطق الكمال.
حين يخطئ صديقك أو يتأخر عليك أو يقصر في حقك، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن غالبا هو تفسير سلبي: ربما تعمد الإهمال أو قلل من قيمتك أو لم يعد يهتم بك.
لكن النفس الحكيمة لا تتسرع في إصدار الأحكام، بل تفتح باب الاحتمالات الرحيمة فقد يكون متعبا، أو منشغل الفكر، أو يمر بأزمة لا يستطيع البوح بها.
وهنا تظهر قيمة التماس الأعذار، لأنه يطفئ نار الغضب قبل أن تكبر، ويحفظ العلاقات من الانهيار بسبب سوء الفهم.
إن الإنسان حين يعتاد البحث عن الأعذار للناس يصبح أكثر راحة وسلاما من الداخل، لأنه لا يحمل قلبه فوق طاقته بالكراهية والعتاب الدائم.
كما أن المجتمع الذي ينتشر فيه هذا الخلق يكون أكثر تماسكا ورحمة، فالناس فيه لا يتصيدون الأخطاء، بل يعين بعضهم بعضا على تجاوزها.
ومع ذلك فإن التماس الأعذار لا يعني تبرير الخطأ دائما أو السماح بالإساءة المستمرة ، بل المقصود أن نعطي الآخرين مساحة إنسانية، وأن ندرك أن لكل شخص طاقة وحدودا وقدرة تختلف من وقت لآخر.
ويجب التذكير أن للإنسان طاقة في الصبر و التماس الأعذار فقد يأتي اليوم الذي لا يقبل فيه عذرا .
فكما نحب أن يفهم الناس ظروفنا وضعفنا، يجب أن نفهم ظروفهم كذلك.
وفي النهاية، إن العلاقات لا تبنى على الكمال، بل على الرحمة والتغافل والصبر .. ومن أدرك أن الناس يتعبون ويضعفون ويقصرون أحيانا، عاش بينهم بقلب أكثر لينا وحكمة.