لكل قرار تبعات

بقلم : نسرين ابوالجدايل*

في الحياة لا توجد قرارات نقية تماما من الخسارة، كما لا توجد اختيارات تمنح الإنسان كل شيء دفعة واحدة.

كل قرار نتخذه يحمل معه وجهين؛ وجها يفتح بابا جديدا من المكاسب، ووجها آخر يغلق بابا كان يمكن أن يقود إلى تجربة مختلفة.

ولهذا فإن فكرة القرار الصحيح المطلق أو القرار الخاطئ المطلق تبدو أقرب إلى الوهم الذي نصنعه بعد انتهاء النتائج، لا أثناء لحظة الاختيار نفسها.

الإنسان حين يقرر، فإنه يفعل ذلك بناء على ما يملكه في تلك اللحظة من معرفة ومشاعر وظروف.

قد يختار وظيفة توفر له الاستقرار المالي، فيكسب الأمان لكنه يخسر وقتا كان يمكن أن يقضيه مع عائلته أو في تحقيق شغفه.

وقد يترك تلك الوظيفة ليتبع حلما يحبه، فيشعر بالحياة والحماس، لكنه يتحمل القلق وعدم الاستقرار.

في الحالتين لا يمكن القول إن أحد القرارين صائب بالكامل أو خاطئ بالكامل، لأن كل طريق يحمل ثمنه الخاص ومكافأته الخاصة.

حتى القرارات التي نندم عليها لاحقا، قد تكون السبب في نضجنا أو تغيير نظرتنا للحياة.

كثير من الناس يكتشفون أنفسهم بعد خسارة، أو يتعلمون معنى القوة بعد تجربة مؤلمة.

ولو عاد الزمن بهم ربما اختاروا بطريقة مختلفة، لكنهم أيضا يدركون أن شخصياتهم الحالية لم تكن لتتكوّن دون تلك القرارات التي ظنوها يوما أخطاء.

وفي المقابل، بعض القرارات التي بدت صحيحة ومثالية في البداية قد تكشف الأيام جوانبها السلبية، لأن الحياة متغيرة والنتائج لا تبقى ثابتة.

المشكلة الحقيقية ليست في اتخاذ القرار نفسه، بل في اعتقاد الإنسان أنه يستطيع ضمان المستقبل بالكامل.

نحن نبحث دائما عن اختيار لا يحمل ندما، بينما الواقع يقول إن الندم جزء طبيعي من أي طريق نسلكه، لأن اختيار شيء يعني تلقائيا التخلي عن شيء آخر.

لذلك فإن النضج لا يعني أن نتخذ قرارات لا تخطئ أبدا ، بل أن نتحمل نتائج اختياراتنا ونتعلم كيف نتعامل معها بوعي ومرونة.

الحياة ليست امتحانا يحتوي على إجابة واحدة صحيحة، بل هي سلسلة من الاحتمالات والتجارب.

أحيانا يكون القرار الجيد هو الذي يمنحنا السلام، وأحيانا يكون القرار الجيد هو الذي يعلّمنا درسا قاسيا كنا بحاجة إليه.

لذلك لا ينبغي للإنسان أن يقسو على نفسه بسبب كل اختيار لم يحقق الصورة التي كان يتمناها، لأن قيمة القرار لا تُقاس فقط بنتيجته، بل بما أضافه إلى وعينا وخبرتنا وقدرتنا على فهم أنفسنا.

فربما الحكمة الحقيقية ليست في البحث المستمر عن القرار المثالي، بل في إدراك أن كل طريق يحمل خيرا وخسارة معا وأن الإنسان يستطيع دائما أن يصنع معنى جديدا حتى من القرارات التي ظن يوما أنها كانت أسوأ ما اختار.

====

* الأستاذة نسرين أبو الجدائل:

أخصائية مختبر – منسقة برنامج فحص الزواج و المختبرات المرجعية و تعليم الموظفين.

شاهد أيضاً

تعليم الطائف يتأهل لدور الثمانية في بطولة نخبة دوري المدارس

د. منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي :الطائف:- تأهل فريق الإدارة العامة للتعليم في الطائف إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *