محمدالعمري متابعات
من يتابع تنقلات الحاج اليوم في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة يلمس التغيّر الكبير الذي طرأ على خدمة ضيوف الرحمن.
لم يعد المشهد كما كان قبل سنوات؛ فالحج اليوم يُدار بعقول رقمية تعمل في الخلفية بهدوء، تراقب الحركة، وتقرأ الكثافات، وتتوقع الازدحام قبل أن يحدث.
ولهذا بدا حديث مدير الأمن العام، رئيس اللجنة الأمنية في الحج، الفريق محمد بن عبدالله البسامي، خلال ندوة الحج الكبرى، عن “هندسة الإجراءات”، لافتًا وعميقًا في الوقت نفسه، لأنه يعكس ترجمة فعلية لجهود وزارة الداخلية في توظيف التقنية، ويكشف حجم التحول الذي تعيشه المملكة في إدارة الحج، من التنظيم التقليدي إلى “الإدارة الذكية للحشود”
ومن يتابع المشاعر المقدسة اليوم يدرك أن ما يحدث ليس مجرد انتشار أمني أو تنظيم مروري عابر، بل منظومة متكاملة تُدار بلغة البيانات والتحليل الفوري والقراءة الدقيقة للميدان.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد عنوانًا نظريًا يُطرح في الندوات والمؤتمرات، بل أصبح جزءًا من التفاصيل اليومية في موسم الحج؛ كاميرات تقرأ المشهد لحظة بلحظة، وأنظمة ترصد الكثافات البشرية، وغرف عمليات تتابع الحركة بشكل حي، وتقنيات قادرة على التنبؤ بمناطق الضغط قبل تشكلها.
وفي السابق كانت إدارة الحشود تعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة البشرية وردة الفعل السريعة، أما اليوم فهناك “عين رقمية” تعمل على مدار الساعة، تساعد رجل الأمن، وتدعمه بالمعلومة، وتختصر الزمن بين الملاحظة والقرار.
حتى الحركة المرورية لم تعد تُدار بالطريقة التقليدية ذاتها؛ إذ أصبحت البيانات والتحليلات الذكية عنصرًا أساسيًا في توجيه التدفقات، وتنظيم المسارات، وتقليل الاختناقات، بما ينعكس مباشرة على راحة الحجاج وسلامتهم.
والأهم في التجربة السعودية أن التقنية باتت تُستخدم كوسيلة لخدمة الإنسان، وليس مجرد استعراض تقني.
فالهدف النهائي من كل هذه الأنظمة حماية الحاج، وتسهيل تنقله، وطمأنته أثناء أداء المناسك.
ولهذا أصبح موسم الحج بدعم القيادة الرشيدة واحدًا من أبرز النماذج العالمية في توظيف التقنية لخدمة الإنسان، من خلال الدمج بين الخبرة الأمنية، والعمل الميداني، والذكاء الاصطناعي، ضمن منظومة واحدة تتحرك بدقة وثقة وهدوء.
وفي كل موسم، تثبت المملكة أن خدمة ضيوف الرحمن لم تعد مجرد مهمة موسمية، بل مشروع حضاري يتطور عامًا بعد عام، تشارك فيه التقنية كما يشارك فيه الإنسان تمامًا.