​الرجولة الحقيقية في جهاد النفس والاستحياء من الله

​الرجولة في ميزان الشريعة والقيم ليست مجرد مظاهر خارجيّة، أو قوة بدنية، أو جاهٍ وسلطان. إنما الرجولة الحقيقية هي قوة الإرادة وضبط النفس في المواطن التي تغيب فيها أعين البشر، وتتجه فيها الأنظار فقط إلى رب البشر.
​لقد صاغ الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفذ صيد الخاطر مقياساً دقيقاً وعميقاً لهذه القيمة؛ حين قال:
​”أتدري من الرجل؟! الرجل -والله- من إذا خلا بما يحب من المحرم، وقدر عليه، وتقلقل عطشاً إليه، نظر إلى نظر الحق إليه، فاستحى من إجالة همة فيما يكرهه، فذهب العطش.”
​1. جهاد الخلوات: الاختبار الحقيقي للمعدن
​في زمنٍ انفتحت فيه أبواب الفتن بضغطة زر، وأصبح الوصول إلى المحرمات أسهل من أي وقت مضى، تبرز قيمة “جهاد الخلوات”. إنّ أسهل ما يكون هو التظاهر بالصلاح أمام الناس، ولكن الصدق الحقيقي يتجلى عندما تغلق الأبواب، وترخى الستور، ويسكن الليل. هنا تماماً يوضع الإيمان على المحك، ويتبين الفارق بين من يعبد الله رغبةً ورهبة، وبين من يخشى كلام الناس وملامتهم.
​2. كيف يذهب “عطش” المعصية؟
​يصف ابن الجوزي بدقة متناهية تلك الحالة الإنسانية: “وتقلقل عطشاً إليه”، فهو لا ينفي وجود الشهوة أو الميل البشري، بل يثبت وجود هذا العطش والشوق للمحرم. ولكن، ما الذي يطفئ هذا اللهيب؟
إنه “النظر إلى نظر الحق إليه”؛ مستشعرًا مراقبة الله الّذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
​هذا الانتقال من ضيق الشهوة إلى سعة الأنس بالله يورث حياءً يغسل القلوب، فما إن يستحي العبد من ربه، حتى ينطفئ في قلبه عطش المعصية، ويحلّ محله برد الطاعة وحلاوة الإيمان.
​3. ثمرات العفة والاستحياء من الله
​إن من يملك زمام نفسه في خلوته يجني ثماراً عظيمة في الدنيا والآخرة، ومن أبرزها:
​نور في الوجه والقلب: يضعه الله للذين يخشونه بالغيب.
​النجاة يوم القيامة: فمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: “رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله”.
​الهيبة والقبول: من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته، وجعل له قبولاً بين الخلق.

​إن العطش إلى المحرمات عارضٌ يزول، ولذة المعصية سريعة الانقضاء ولا تترك خلفها إلا الندم والضيق. أما لذة الانتصار على النفس والاستحياء من الله، فهي بذرة تثمر عزةً ونقاءً في النفس، وصلاحاً في المجتمع. فلنكن ممن يراقبون الله في السر والعلن، ولنجعل من خلواتنا محاريب للطاعة لا مسارح للذنوب.

شاهد أيضاً

في ذمة الله تعالىوالد الزميل حسين الحجاجي

منصور نظام الدين:مكة المكرمة:- أنتقل إلى رحمة الله تعالى والد الزميل الإعلامي الخلوق الدكتور حسين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *