بَيْنَ «النَّسْخِ وَاللَّصْقِ» وَجَوْهَرِ الإِبْدَاعِ ✨📚

عدنان أحمد السقاف

كثيرًا ما نسمع في ساحات الكتابة ومنصات التواصل عبارة: «هذا مجرد نسخٍ ولصق»، تُقال أحيانًا على سبيل النقد، وأحيانًا أخرى بقصد التقليل من شأن الكاتب أو الانتقاص من جهده الفكري. غير أن الإنصاف يقتضي أن نتوقف قليلًا أمام هذه العبارة، وأن نعيد النظر فيها بعيدًا عن الأحكام المتسرعة والانطباعات السطحية.

فالنسخ واللصق، في حقيقتهما التقنية، ليسا عيبًا ولا منقصة، بل هما ميزة أوجدتها التقنية الحديثة لتيسير العمل، واختصار الوقت، وتقليل الجهد. ولو كان مجرد استخدام هذه الخاصية مذمومًا، لكان كل من يستفيد من الحاسوب، أو من محركات البحث، أو من أدوات التحرير الرقمية واقعًا في دائرة الاتهام، وهو أمر لا يستقيم مع منطق العصر، ولا مع طبيعة التطور الإنساني.

إن الحضارة البشرية برمتها قامت على التراكم المعرفي؛ فالعلماء والمفكرون والأدباء لم يبدأوا من فراغ، وإنما بنوا على ما سبقهم، واستفادوا من جهود من تقدمهم، ثم أضافوا وأبدعوا وطوّروا. ولم يكن الاقتباس الواعي يومًا نقيصة، بل ظل عبر التاريخ أحد أهم أدوات البناء الفكري والثقافي، شريطة أن يكون ذلك في إطار الأمانة العلمية، ونسبة الأقوال إلى أصحابها، وإضافة رؤية جديدة أو معالجة مختلفة تثري الفكرة وتمنحها أبعادًا أخرى.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في استخدام خاصية النسخ واللصق ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها. فهناك فرق كبير بين من يجمع النصوص دون فهم أو تمحيص، ثم ينسبها إلى نفسه كاملة، وبين من يستعين بما كتبه الآخرون، فيقرأ ويحلل ويهضم، ثم يعيد الصياغة، أو يضيف رؤيته الخاصة، أو يوظف المعلومة في سياق جديد يفتح آفاقًا أوسع للتأمل والفهم.

ومن صور الأحكام المسبقة التي شاعت في بعض الأوساط الأدبية كذلك، تعالي بعض الكُتَّاب عن استخدام الرموز التعبيرية (الإيموجي)، ولا سيما في عناوين المقالات والمنشورات، اعتقادًا منهم أن توظيف هذه الرموز قد ينتقص من القيمة الأدبية للنص، أو يهبط بمكانة الكاتب السردية والفكرية. والحقيقة أن الأمر لا يُقاس بهذه الصورة المطلقة؛ فالإيموجي ليس إلا أداة بصرية حديثة فرضتها طبيعة العصر الرقمي، شأنها شأن علامات الترقيم، والعناوين الجاذبة، والصور المصاحبة للنصوص. وهي، متى استُخدمت باعتدال وذوق رفيع، قد تضيف بعدًا جماليًّا، وتلفت انتباه القارئ، وتسهم في إيصال الإحساس العام للنص، دون أن تمس جوهره الأدبي أو تقلل من قيمته.

فالنصوص العظيمة لا تستمد عظمتها من خلوها من الرموز أو امتلائها بها، كما أن الكاتب لا يُقاس بعدد الكلمات التي كتبها بيده، أو بالأدوات التي استعان بها، وإنما يُقاس بقدر ما يقدمه من فكر، وما يضيفه من معنى، وما يتركه من أثر في عقول القراء وقلوبهم. فرب كلمة مقتبسة أحسن صاحبها توظيفها فأثمرت علمًا ونفعًا، ورب آلاف الكلمات الأصلية لم تتجاوز حدود الورق.

في زمن الثورة الرقمية، لم يعد السؤال: «هل استخدمت النسخ واللصق؟» أو «هل وضعت رمزًا تعبيريًا في عنوانك؟»، بل أصبح السؤال الأهم: «ماذا صنعت بما كتبت؟ وهل أضفت قيمة معرفية أو جمالية أو إنسانية تستحق القراءة؟».

فالأدوات تظل أدوات، لا تُمدح ولا تُذم في ذاتها، وإنما تُقاس قيمتها بحسن استعمال الإنسان لها. وليس العيب أن نستعين بوسائل العصر وتقنياته، وإنما العيب أن نتوقف عند حدود النقل، فلا نضيف فكرة، ولا نمنح النص روحًا، ولا نترك بصمتنا الخاصة فيه. إن الإبداع الحقيقي لا يسكن لوحة المفاتيح، ولا يختبئ خلف شكل العنوان، بل يسكن العقل الذي يفكر، والقلب الذي يشعر، والروح التي تُحسن أن تحوّل المعرفة إلى أثرٍ باقٍ.

شاهد أيضاً

في ذمة الله تعالىوالد الزميل حسين الحجاجي

منصور نظام الدين:مكة المكرمة:- أنتقل إلى رحمة الله تعالى والد الزميل الإعلامي الخلوق الدكتور حسين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *