من عِلل القلوب البشريّة الغريبة، أنها لا تُحسن الشّكر إلا بعد الفقد، ولا تُتقن الثّناء والاعتراف بالجميل إلا بعد الرّحيل. وكأننا نعيش في حالة من التّأجيل العاطفي المستمر، نَبخل بالكلمة الطيّبة واللفتة الحانية عمّن هم حولنا، حتى إذا غابوا أو غادروا؛ انسكبت مشاعرنا وتدفقت كلماتنا، ولكن… بعد فوات الأوان.
إن بعض الكلمات البسيطة لو قيلت في وقتها المناسب لأحيت قلباً أرهقه التعب، ولرمّمت كسراً خلفته الأيام، ولأطفأت وحشة الوحدة في صدور من نحب. لكنها إذا جاءت متأخرة، فإنها تفقد بريقها وقيمتها؛ تصبح كقنديلٍ يُضاء بعد طلوع الشمس، منظرٌ جميل.. لكنه بلا حاجة ولا نفع.
لماذا ننتظر النهايات؟
لماذا لا تخرج مواقف اللطف والحب والتسامح إلا في أواخر الحكايات؟ السبب في ذلك يعود إلى أمرين:
عدم عدالة النفس مع الحاضر: فالنفس البشريّة تميل بطبعها إلى الزهد في الشيء ما دام بين يديها ومتاحاً لها، ولا تُعظّم قيمته ولا تشعر بفقده إلا إذا غاب عنها وأصبح بعيد المنال.
التسويف والكبر الخفي: نسوّف قائلين “غداً أزوره”، “فيما بعد أعتذر له”، “هو يعرف مكانته عندي بالتأكيد”. وأحياناً يمنعنا كبرٌ خفيّ من إظهار حاجتنا للآخرين أو التعبير عن معزتهم؛ فنؤخر الكلمات حتى يسقط هذا الكبر فجأة عند رحيلهم، فتتدفق المشاعر بلا قيود، لكن في الوقت الضائع.
اجعلها اليوم.. لا تؤجل
الحياة قصيرة، والفرص لا تتكرر دائماً، والغائب ليس مضمون العودة. ما دام الأحباب حولك، فامتلك الشجاعة واللطف لتسمعهم اليوم ما يحبون:
قُل الكلمة الجميلة اليوم ولا تؤجلها للغد.
أظهر الود والاهتمام الآن لمن يستحقه.
اعتذر وتلطّف وصحح مسار علاقاتك ما دامت الفرصة سانحة.
فالمشاعر الصادقة تُقاس بتوقيتها، ولذة الحب والامتنان تكمن في أن يَسعد بها المرء وهو على قيد الحياة، لا أن تُقال رثاءً فوق غيابه.