سعود محمد – حاضنة مأمني الإبداعية
في قلب العاصمة المقدسة، حيث يلتقي جلال الجغرافيا بمهابة التاريخ، تبرز معالم وتضاريس طالما وقفت شواهد شامخة على أعظم قصص السيرة النبوية وبدايات النور البشري. جبال مكة ومساجدها الأثرية ليست مجرد تشكيلات صخرية صامتة، بل هي متاحف مفتوحة تحاكي الوجدان الإنساني. واليوم، يتأهب هذا الإرث العريق ليتحدث إلى البشرية بلغة جديدة كلياً؛ لغة تجمع بين أصالة الماضي وابتكار المستقبل، عبر رؤية طموحة تحمل اسم مشروع “نور القبلة”.
المشروع ليس مجرد فكرة عابرة للإنارة، بل هو إعادة صياغة للمشهد البصري والتاريخي، انطلق بفكرة ورؤية استراتيجية فريدة من الأستاذ سعود محمد، الذي صاغ هذا المفهوم وأطلقه في هذا التوقيت من منطلق راسخ يهدف إلى تقديم مبادرة استثنائية “من مكة إلى العالم”. تأتي هذه الرؤية لتعيد إبراز جبال مكة وتراثها الجغرافي الفريد كقوة ناعمة إسلامية قادرة على بث رسائل السلام، وتعميق الأثر الثقافي والروحي لبيت الله الحرام ومحيطه في قلوب ملايين المسلمين والمهتمين أينما كانوا.
وتحت المظلة التشغيلية لـ “حاضنة مأمني الإبداعية”، تتبلور هذه المبادرة التي أُطلقت لتتحول إلى واقع هندسي ورقمي محوكم ومدروس. يرتكز المشروع على دمج مذهل لا يسبب أي تشويه بصري؛ حيث تعتمد تقنية الإنارة المعمارية على “الإضاءة المخفية” غير المباشرة، لتندمج الكشافات نهاراً مع ألوان وملمس الصخور الجرانيتية وتختفي تماماً عن الأعين، لتنساب ليلاً بضياء هادئ ووقور يحاكي نور القمر، مستهدفةً ثمانية معالم رئيسية يتقدمها جبل النور وجبل ثور، وجبال أبي قبيس، وقعيقعان، والكعبة، والسيدة، وعمر، ومسجد البيعة التاريخي.
ولا تقف المبادرة عند حدود الميدان الجغرافي؛ فالتسويق لمكة وإبراز معالمها للعالم يمتد عبر شبكة رقمية متكاملة تكسر الحواجز الجغرافية والمسافات. يوفر المشروع عبر منصته العالمية معارض افتراضية متطورة وتقنيات تجول ثلاثي الأبعاد (VR 360) بدقة فائقة، بالتوازي مع رفع مسارات الجبال وتحديثاتها البصرية على “خرائط جوجل” (Google Maps)، ليتمكن أي إنسان على وجه الأرض من اختبار عظمة هذه الأماكن والمسير الافتراضي في شعابها وغيرانها التاريخية.
إن مشروع “نور القبلة” يمثل نموذجاً عالمياً ملهماً في كفاءة الإنفاق والاستدامة البيئية، عبر الاعتماد على الطاقة الشمسية النظيفة المستقلة في القمم الشاهقة، والتكامل مع المصانع والشركات الوطنية لتعزيز المحتوى المحلي السعودي تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ومع إطلاق هذه الفكرة المباركة، يتطلع القائمون عليها إلى دعم الجهات الحكومية والتنظيمية وتبنيها للمشروع، وتكاتف المنظومة الثقافية والشركات الرائدة في قطاعات المقاولات، الهندسة، والحلول التقنية، للمساهمة في دعم وتدشين هذه المبادرة الوطنية الكبرى. إن تضافر هذه الجهود سيسرع من ترجمة الرؤية إلى منجز واقعي يصنع زخماً إعلامياً محلياً وعالمياً، ويدفع بملايين الحجاج والزوار ليكونوا سفراء لهذه الهوية الثقافية من خلال توثيقهم العفوي لجمال هذا الضياء، ليبقى “نور القبلة” منارة بصرية تلهم الوعي، وتبرز الهوية، وتصل بالعمق الإسلامي من مكة إلى أقصى بقاع الأرض.