سعيٌ في كشف المعادن: حصاد عشر سنوات بين صناعة القادة وفلسفة التجريد

سعود محمد- حاضنة مأمني الإبداعية

في لحظة مراجعة وتدوين متأنية، وأنا أسترجع الشريط الكامل لهذه السنوات، تبتسم شفتي تلقائياً.. أضحك من قلبي على مواقف ومسارات مرت، وفي النفس في الوقت ذاته أسفٌ حقيقي على حال بعض الإخوة وما آلت إليه نفوسهم.

أنا سعود محمد.. بدأت رحلتي في الأنشطة والفرق التطوعية والعمل الخيري والمجتمعي المتنوع منذ عام 2016. واليوم، ونحن في عام 2026، أقف على أعتاب عقدٍ كامل من العطاء والتمكين وشحن طاقات الشباب. عشر سنوات كاملة كانت مليئة بالحراك، الشغف، وبناء الكيانات من الصفر.

حين ألتفت إلى الوراء وأقلب صفحات هذه العشر سنوات، أستحضر بدايات شباب كثيرين في مجالات التصوير والإعلام والعمل المؤسسي. كانوا يطرقون الباب في أول الطريق، يطلبون التوجيه والتفكير الاستراتيجي، وكيف يحولون الشغف إلى كيانات ومشاريع لها وزن. كنت أصرف من وقتي وجهدي وعلاقاتي لفزعة أو استشارة تفتح لهم أبواباً ما كانوا يتخيلونها. والحمد لله، وصل كثير منهم اليوم إلى مناصب ووظائف مرموقة وأسسوا أعمالاً ناجحة.

والله يعلم أن هذا ليس منّاً ولا إدلالاً، فالاستعانة والتوفيق من الله أولاً وأخيراً، لكنها الشواهد على الأثر.

التحول العجيب يبدأ حين يشتد عود البعض. تتفاجأ بأن هناك من تمكنوا على يدك خلال هذه المسيرة، ولما وصلوا، استبدلوا الامتنان بادعاء المعرفة! تجدهم يعارضونك اليوم في الفكر والعمل بأسلوب فيه استعلاء، وكأن الأدوات والمبادئ التي يستندون عليها ما استسقوها يوماً من توجيهك. والأدهى، حين تدور الأيام وتحتاجهم في موقف أو مشورة وقت الحاجة، تلتفت فلا تجد أحداً.. يتبخرون وكأنك لم تكن يوماً سندهم.

وهنا يأتي النضج في اتخاذ الموقف: لكل فعل ردة فعل.

أنا في حياتي لا أحمل أحقاداً ولا أدخل في معارك مجانية، لكن طبعي كسعود صريح وواضح؛ الشخص الذي ينكر الأثر، أو يحاول التقليل من قيمتي، لا أدخل معه في صدام.. بل أمارس معه إعادة التقييم الناضجة. أبدأ بتقليل مكانته وتجريده من مساحته في حياتي تدريجياً، خطوة بخطوة، حتى يصل إلى اللاشيء. يُسحب الستار عنه بتهذيب، ويصبح كأنه لم يكن، خارج التغطية تماماً ولا وجود له في عقيدتي النفسية ولا أجندتي.

وفي المقابل، هذا الطبع ينطبق عليّ قبل غيري؛ فكما أترفع عن ناكري المعروف، أملك الشجاعة الكاملة والمسؤولية الأخلاقية لأعترف بأخطائي. أي شخص أخطأت في حقه يوماً —جل من لا يخطئ— أقف أمامه بشرف وأعتذر له علناً وبكل شجاعة. هذا أنا، وهذا طبعي الذي أعتز به: الوفاء لمن يستحق، الاعتذار عند الخطأ، والتجاهل التام لمن ينسى الأصل.

ولأنَّ الإسلامَ دِينُ الخُلقِ، وقد بُعِثَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليُتمِّمَ صالِحَ الأخلاقِ ومَكارِمَها، وقد حَثَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على كُلِّ خُلقٍ طيِّب، كالمُساعدةِ والبَذلِ والعطاءِ وشُكرِ المعروفِ، ومِن ذلك ما جاءَ في هذا الحَديثِ، حيثُ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “مَنِ اسْتَعاذَكم باللهِ فأَعِيذُوه”، أي: مَنْ طَلَب مِنْكم وسأَلَكم باللهِ أنْ تُعِينوه على ما وقَعَ بِه مِنَ الشَّرِّ والأذى، فقدِّموا له كُلَّ العونِ والمساعدةِ

ولطالما تكرر هذا النمط في تاريخ البشرية، حتى قال الإمام الشافعي يصف هذا الخلق:

ولا خير في ود امرئ متلون .. إذا الريح مالـت مال حيث تميل يريك الرضا لو كان للصدر شاهد .. وتلقاه بعد البعد وهو بخيـل

وقال الأديب والفيزيائي الفذ مصطفى محمود في تحليل عميق لنكران الجميل: جحود المتفضل عليه لفضل المتفضل مرض كلَبي يصيب النفوس الضعيفة، فالنفس الصغيرة لا تحتمل ثقل الدين، فتسعى لإنكاره أو محو صاحبه من الذاكرة لتتخلص من الشعور بالصغر.

هذه هي الحقيقة؛ النكران مشكلة في ذات الناكر لا في المُعطي. أنا ممتن لكل من ألهمني وصنع أثراً في حياتي، وعلى رأسهم والدي الدكتور محمد نور، وأمي الغالية، وإخوتي وأهلي وأصدقائي الأوفياء. مسيرتي التي انطلقت منذ 2016 في تمكين الشباب والعمل الاجتماعي مستمرة إلى ما بعد 2026، أتقدم فيها بنضج أكبر، وأحيط نفسي بأصحاب العمق والأصل، وأترك العابرين يخوضون في ادعاءاتهم

شاهد أيضاً

الزمالك المصري ينهي تعاقده مع سيف الدين الجزيري بالتراضي

منصور نظام الدين :مصر :- أوضح نادي الزمالك، اليوم، إنهاء تعاقده مع مهاجمه التونسي سيف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *