​فن التغافل وجبر القلوب: فلسفة العبور الآمن في ممر الدنيا

​في زحام الحياة اليومية المتسارع، وتصادم الأمزجة والطباع بين البشر، نجد أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف عند كل محطة، والتدقيق في كل صغيرة وكبيرة حتى تنفد طاقة الروح، وإما سلوك درب الصالحين والحكماء؛ درب التغافل الذكي.
​إن التأمل في طبيعة الخلق يورث الحكمة؛ فالناس معادن، خلقهم الله من ماء وطين، فمنهم من غلب ماؤه وعذوبته فصار كالنهر يجري بالخير واللين، ومنهم من غلب طينه فَقَسَا وصار كالحجر. وأمام هذا التباين، لا يمكن للروابط الإنسانية والصداقات أن تستمر دون أن نسكب فيها من “كأس التغافل حتى الثمالة”، كما رُوي عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- حين قال: «تسعة أعشار العافية في التغافل».
​الحفرة المنسية وإدارة العلاقات
​إن التغافل ليس عجزاً ولا بروداً في الأعصاب، بل هو “قمة الوجع والتسامي”؛ فالذي يتجاهل صغائر الأمور والمواقف المزعجة غالباً ما يكون شخصاً نضجت مشاعره وتألم حتى تخدر، فاختار شراء راحة باله.
​ومن أجمل ما يتهادى به الأصدقاء، أن يصنع المرء في قلبه حفرة صغيرة يرمي فيها زلات أحبابه، والأهم من ذلك: أن ينسى مكان الحفرة، حتى لا يعود لنبشها في لحظات الخصام. نعم، هناك أخطاء تداوى بفرصة أخرى، وهناك أخطاء تتطلب الرحيل الصامت، لكن الذكاء يكمن في عدم تحويل العقل إلى دفتر حسابات للسيئات.
​صمت الإنجاز وبلاغة اللسان
​وتعلمنا الطبيعة دروساً صامتة في العطاء؛ فالدجاجة تبيض بيضة زهيدة الثمن فتملأ الدنيا صياحاً وضجيجاً، بينما تضع السمكة الآلاف من الكافيار غالي الثمن وهي في صمت تام. ومن هنا تنبثق الحكمة: «اصمت ودع إنجازاتك تتحدث».
​إن هذا الصمت هو نصف الحكمة، تماماً كما أن نصف الراحة في عدم مراقبة الآخرين، ونصف الأدب في ترك ما لا يعنيك. وفي هذا الصمت يتجلى دور “اللسان”، هذا العضو الذي لا عظام فيه، لكنه يملك قدرة عجيبة على كسر القلوب أو جبر الصدوع، على القتل المعنوي أو إنارة الدروب. بكلمة واحدة قد يزف المرء إلى الجنة، ويزداد احتراماً وترفعاً عند الله وعند خلقه.
​حقيقة السعادة والاتصال بالمصدر
​خلف ملامح البشر المبتسمة، تختبئ دائماً قصص حزن لا يعلمها إلا الله؛ هذا يعاني جحود الأحباب، وذاك أرهقه العطاء بلا مقابل، وآخر يبكي راحلاً زينه التراب، ومنهم من يشعر بالغربة وهو بين أهله وعشيرته. هي الدنيا.. ولهذا سميت “دنيا”. وعندما تضيق المساحات، ليس للمرء إلا أن يأخذ نفساً عميقاً ويقول: «الحمد لله».
​إن أعظم ما يغرسه التوحيد في القلب هو اليقين بأن السعادة لا تُستجدى من زوج، ولا ولد، ولا رفاهية، ولا بيوت فارهة؛ بل السعادة كل السعادة في الاتصال الدائم بالله، وتعليق القلب به سبحانه. هو الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أسعد وأشقى.
​خاتمة
​ستخرج من هذه الدنيا كما جئت إليها، لن تأخذ معك من حطامها شيئاً. التواضع دليل ثقة، والتكبر عين النقص. فما دمت عابراً في هذا الممر، ازرع في نفوس الآخرين شيئاً يخصك؛ فإن لم يكن حباً بالوصال، فليكن احتراماً بالتغافل الجميل.
​ونسأل الله العلي القدير أن يديم علينا نعم الأمن والأمان والاستقرار في ظل قيادتنا الرشيدة، وأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، ويمدهم بعونه وتوفيقه، ويجزيهم عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويجعل بلادنا مباركة منارة للخير والسلام دائماً وأبداً.

شاهد أيضاً

سيدة التراث الأولى تستقبل مجموعة شيهانة في الشفا.. لقاء يعيد إحياء ذاكرة الموروث الأصيل

الشفا – الطائف- خضرالثقفي في لوحةٍ تراثية نابضة بالأصالة، استقبلت سيدة التراث الأولى الأستاذة فاطمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *