الأمن الرقمي: جبهة متقدمة في منظومة الأمن الإنساني


د. غسان شحرور

لم يعد الفضاء الرقمي هامشًا تقنيًا في حياة الشباب، بل أصبح بنية تحتية غير مرئية تُعاد عبرها صياغة علاقتهم بأنفسهم وبالعالم. ومع هذا التحوّل، لم تعد قضايا الصحة النفسية والرفاه شأنًا طبيًا ضيقًا، بل أصبحت مسألة أمن إنساني تتقاطع فيها التكنولوجيا مع العدالة والكرامة والحقوق.

هذا ما يؤكده التقرير العالمي للشباب حول الصحة النفسية والرفاه الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة (UN DESA) عام 2025، والذي جاء ثمرة مشاورات واسعة ضمّت دولًا أعضاء، ووكالات أممية، ومؤسسات مجتمع مدني، وعشرات الشباب من مختلف المناطق. فالتقرير لا ينظر إلى الصحة النفسية بوصفها اضطرابًا فرديًا، بل بوصفها انعكاسًا لبيئات اجتماعية واقتصادية ورقمية متشابكة تؤثر في شعور الشباب بالأمان والانتماء والمعنى.

وفي قلب هذه البيئات يبرز الأمن الرقمي بوصفه أحد أكثر أبعاد الأمن الإنساني حداثة وتأثيرًا.

من الأمن السيبراني إلى الأمن الرقمي الإنساني

ثمة فارق جوهري بين الأمن السيبراني، الذي يركّز على حماية الأنظمة من الاختراق، وبين الأمن الرقمي في إطاره الإنساني، الذي يضع الإنسان في المركز. فالأمن الرقمي لا يُختزل في كلمات المرور والجدران النارية، بل يتعلق بقدرة الأفراد — وخاصة الشباب — على المشاركة في الفضاء الرقمي من دون خوف، ومن دون أذى نفسي أو اجتماعي، ومن دون إقصاء أو تمييز.

ويتضمن هذا المفهوم مجموعة من الحقوق الأساسية:

• الحق في الخصوصية وحماية البيانات

• الحق في الوصول الآمن والعادل إلى المعلومات

• الحماية من العنف الرقمي والتنمر وخطاب الكراهية

• الحماية من المعلومات المضللة والتلاعب الخوارزمي

• ضمان حرية التعبير والمشاركة دون تهديد أو ترهيب

وعندما تُنتهك هذه الحقوق، لا يبقى الضرر محصورًا في المجال الافتراضي، بل يمتد ليقوّض تدريجياً الأمن الصحي والنفسي، ويؤثر في فرص التعليم والعمل، ويضعف الثقة المجتمعية، ويُعيد إنتاج أنماط من العنف الرمزي والاجتماعي.

المعلومات المضللة: تهديد يتجاوز الشاشة

يشير تقرير UN DESA إلى أن البيئة الرقمية أصبحت ساحة تتنازعها السرديات المتضاربة والمعلومات المضللة. وهذه الظاهرة لا تهدد المعرفة العامة فحسب، بل تمسّ البنية النفسية والاجتماعية للشباب، إذ إنها:

• تعمّق مشاعر القلق والارتباك وفقدان الثقة

• تؤثر في القرارات الصحية والسلوكية

• تغذي الاستقطاب وخطاب الكراهية

• تضعف الثقة بالمؤسسات العامة

بهذا المعنى، يصبح الأمن الرقمي شرطًا لحماية المجتمع نفسه. فمجتمع تغمره المعلومات المضللة هو مجتمع هشّ، حتى لو كانت بنيته التحتية التقنية متطورة.

الذكاء الاصطناعي: بين الحماية والرقابة

ومع صعود الذكاء الاصطناعي، يكتسب الأمن الرقمي بُعدًا جديدًا يتجاوز الأدوات التقليدية. فالذكاء الاصطناعي يسهم في الحماية والوقاية عبر كشف الثغرات قبل استغلالها، وتعزيز حماية الخصوصية، وتصفية المحتوى العنيف أو المسيء، وتسهيل الوصول العادل إلى المعرفة. وفي المقابل، يلعب دورًا مهمًا في الرصد والمراقبة من خلال تتبّع حملات التضليل، وتحليل الأنماط الرقمية، ورصد الهجمات السيبرانية، والكشف المبكر عن السلوكيات الضارة في الفضاء الرقمي. غير أن هذه القدرات المزدوجة قد تتحول إلى أدوات للتمييز أو المراقبة المفرطة إذا غابت عنها الحوكمة الأخلاقية. ومن هنا، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من معادلة الأمن الإنساني: قوة يمكن أن تعزّز كرامة الإنسان أو تهددها، تبعًا للقيم التي تُصمَّم وتُدار بها.

الفجوة الرقمية بوصفها مسألة عدالة

يُبرز التقرير أيضًا أن الفجوة الرقمية لم تعد مجرد تفاوت في الوصول إلى التكنولوجيا، بل تحوّلت إلى شكل جديد من أشكال عدم المساواة البنيوية. فالشباب الذين يفتقرون إلى الوصول الآمن والعادل إلى الأدوات الرقمية يُحرمون من فرص التعليم والعمل والمشاركة المدنية. وهذا الإقصاء لا يمكن فهمه خارج إطار حقوق الإنسان، إذ تتأثر به مباشرة حقوق التعليم والمعلومات والمشاركة العامة.

إرث شخصي في المعلوماتية والفجوة الرقمية

منذ سنوات مبكرة كتبتُ عن الفجوة الرقميةبوصفها شكلًا جديدًا من أشكال عدم المساواة، وناقشتُ أثرها على التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. وقد أكّد عملي واهتمامي في مجال المعلوماتية الصحية أن البيانات ليست مجرد أرقام، بل حياة بشرية تتأثر بمدى قدرتنا على حماية الخصوصية، وضمان الوصول العادل، وتوفير بيئة رقمية آمنة. واليوم، حين يكشف تقرير UN DESA أن الفضاء الرقمي أصبح جزءًا من تكوين الشباب النفسي والاجتماعي، أرى بوضوح أن الأمن الرقمي ليس امتدادًا تقنيًا، بل امتدادًا لمسار طويل من الدفاع عن حق الإنسان في المعرفة والكرامة والفرص المتكافئة.

التوعية وبناء الثقافة الرقمية

ولا يكتمل الحديث عن الأمن الرقمي دون الإشارة إلى الحاجة الملحّة لبرامج توعية وتدريب متعددة المستويات، تُعرّف الشباب بحقوقهم الرقمية، وبأساليب الحماية والوقاية، وبكيفية رصد المخاطر والتعامل معها. فالأمن الرقمي لا يتحقق بالتقنيات وحدها، بل بالوعي المجتمعي، وبناء المهارات، وتعزيز الثقافة الرقمية التي تمكّن الأفراد من المشاركة الآمنة والمسؤولة في الفضاء الافتراضي.

مسؤولية مشتركة في فضاء بلا حدود

الفضاء الرقمي بطبيعته عابر للحدود، لكن حقوق الإنسان ليست نسبية ولا قابلة للتجزئة. ومن ثم فإن حوكمة هذا الفضاء لا يمكن أن تُترك لمنطق السوق وحده أو لتقديرات الشركات التكنولوجية الكبرى. كما لا يكفي أن تتعامل الدول مع الأمن الرقمي من منظور أمني تقليدي يتجاهل البعد الحقوقي.

إن دمج الأمن الرقمي في منظومة الأمن الإنساني يعني إعادة تعريف السياسات الرقمية بوصفها سياسات كرامة وعدالة، ويعني أيضًا إشراك الشباب أنفسهم في صياغة القواعد التي تنظّم الفضاء الذي يعيشون فيه يوميًا.

نحو تصور جديد للأمن

منذ أن طُرح مفهوم الأمن الإنساني في تسعينيات القرن الماضي بوصفه انتقالًا من حماية الدولة إلى حماية الإنسان، ظلّ السؤال قائمًا: ما التهديدات الجديدة التي تمسّ حياة الأفراد مباشرة؟ اليوم يقدّم الواقع الرقمي إجابة واضحة.

الأمن الرقمي لم يعد قضية تقنية ولا رفاهية تنظيمية. إنه جبهة متقدمة في الدفاع عن حقوق الإنسان، وعن الصحة النفسية، وعن تماسك المجتمعات. وفي ضوء ما كشفه تقرير UN DESA لعام 2025، يصبح إدماجه في منظومة الأمن الإنساني ضرورة أخلاقية وسياسية في آن واحد. فمستقبل الشباب لن يُبنى فقط على الأرض التي يقفون 

شاهد أيضاً

“متاحف الشوارع”.. صياغة 400 مجسم يروي السيرة النبوية والهوية المكية

سعود محمدرائد أعمال ومخرج إبداعي من أرض مكة المكرمة – حاضنة مأمي الإبداعية “مكة المكرمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *