الكاتبة: خديجة سليمان الهلالي
هناك من يعبّر عن الحب بالكلمات الشاعريّة والتواصل اليومي، وهناك نوعٌ نادر من البشر لا يتقن ألسنتهم ترف الكلام، لكنّه يتقن ثقل الأفعال؛ فتفيض أرواحهم بالمروءة حين يشتدّ الخطب.
تلك هي أختي.. أنثى بقلبِ رجل، تملك من الشهامة في رداء أنثى ما يجعلها جداراً صلباً في وجه عواصف الحياة.
قد تغيب في “أيام السلم”، حيث تغمرها مشاغل الحياة و ارتباطاتها الخاصة فيقل تواصلها حتى تكاد تختفي وأظن أنها ابتعدت، ولكنها في الحقيقة تعيش في تأهب دائم ليوم الشدة تتوارى كجندي خفي في الظلال ، أو ملاكٍ حارس ينتظر لحظة الاحتياج ليؤدي الواجب ويمضي، لا يبتغي جزاءً ولا شكوراً.
نعم، إن متانة العلاقات لا تُقاس بكثرة اللقاءات، بل بثبات المواقف وقت المحن، حين تتلبد السماء بالغيوم، فبينما يكتفي الآخرون بالتعاطف الشفهي، تظهر هي في اللحظة الحرجة، تظهر فجأة كشعاع شمس يخترق الظلام هاتفةً بثقة؛ بصوتٍ يملأ الروح ثباتاً ويُعيد لها توازنها: “أنا هنا.. أنا لها؛ استعن بالله ولا تعجز، سحابة صيف وستمر، غمامة سوداء وتنقشع، ريح عاتية وستنجلي”. إنها لا تطمئنك باللسان فحسب، بل تترجم حبها بأفعالٍ تتكلم بصوتٍ أعلى من الكلمات فتترجم ذلك فوراً؛ تجود بالبر مادياً ومعنوياً، وتبذل الغالي والنفيس لتسد الخلل وتُصلح ما أفسدته الظروف، لتمر الأزمة بسلام وتعود المياه إلى مجاريها، وما إن تضع الحرب أوزارها حتى تعود هي بهدوء لتغوص في أعماق حياتها من جديد، مغادرةً دون أن تنتظر ثمناً أو إشادة.
وهذا الخلق النبيل المقرون بالقوة والنخوة هو أصل الأُخوّة التي امتنّ الله بها على عباده، حيث جعل الأُخوّة سنداً وعاضداً في كتابة الكريم قال تعالى:
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: 35].
فالأخت هي السند الذي يشتد به الأزر والعضد وقت الألواء، مبادرةٌ بالخير، سبّاقة للإنقاذ، لا تنتظر طلباً لتلبي؛
فهي بشرائها لراحتنا وتبنيها لأزماتنا تجسد أعظم معاني الصلة والبر، بل تسد مسد العشيرة حين يغيبون.
وما أختي إلا تجسيد حقيقي لقول الشاعر الذي وصف معادن الكرام الذين تدرك نخوتهم عند الشدائد فقط:
يَغِيبُونَ عَنَّا وَالعُيُونُ طَوَامِحٌ
وَيَبْدُونَ لَنَا إِذَا المَلَمَّاتُ أَقْبَلَتْ
كأَنَّهُمُ بَدْرٌ يَنُوقُ بِضَوْئِهِ
إِذَا أظْلَمَتْ أَيَّامُنَا وَتَجَهَّمَتْ
قد أفتقد وجودها اليومي في أوقات الهدوء والرخاء، إلا أنني علِمتُ يقيناً أنني حُزتُ نِعمةً عظيمة؛ أختٌ يُستند عليها إذا مال الزمان، وتقف كالطود الشامخ حين تتداعى الأسباب، و ذخر للسنين العجاف. فالحمد لله الذي وهبني إياها، وجعلها قطر الندى لكل بأس فينا وبل الصدى إذا المكارم جفت، وسحابة خير تُمطر بالفرج كلما ضاقت المنافذ؛ والحمد لله الذي ألهمها ذلك القلب الكبير الذي يجمع رقة الأنثى مع شهامة الرجال التي إذا دعيت للمكرمات أجابت.
حفظكِ الله يا أختي، وأجزل لك الأجر والثواب، وأطال عمرك في صحة وعافية وعلى ذكر وحسن عبادة، ودُمْتِ لنا سنداً لا يميل، وظلاً نستظلُّ به كلما أرهقتنا الحياة.
