بلقيس مدخلي – مصممة منتجات وباحثة في التصميم العاطفي والثقافي
بعد سنوات من مغادرة مكانٍ ما، ما الذي يبقى في الذاكرة؟
هل نتذكر لون الجدران، ونوع الأرضية، وشكل الأثاث؟ أم نتذكر ضحكةً شاركناها، وحديثًا طال حتى نسي الجميع الوقت، ورائحة قهوة ارتبطت بصباحات لا تزال تسكننا حتى اليوم؟
ربما نظن أننا نتذكر الأماكن، لكن الحقيقة أننا نتذكر ما جعلتنا نشعر به داخلها.
لهذا، لا تبدأ قيمة المكان من جدرانه، ولا تنتهي عند جمال أثاثه، بل تبدأ من التجارب الإنسانية التي يحتضنها. فالتصميم لا يكتب الذكريات، لكنه يهيئ المساحة التي يمكن أن تولد فيها. وهذا ما يُعرف في مجال التصميم بـ التصميم العاطفي، وهو توجه لا يهتم بما يراه الإنسان فحسب، بل بما يشعر به ويعيشه داخل المكان.
كل تفصيل في المكان يحمل أثرًا يتجاوز وظيفته. فالمسافات بين المقاعد قد تشجع على الحوار أو تحد منه، وزاوية الجلوس قد تصبح المكان الذي تجتمع فيه العائلة دون تخطيط مسبق، بينما قد يدفع توزيع آخر الأشخاص إلى الانعزال دون أن يشعروا بذلك. قد تبدو هذه التفاصيل قرارات تصميمية بسيطة، لكنها مع مرور الوقت تؤثر في الطريقة التي نعيش بها المكان، وفي الذكريات التي تتشكل داخله.
أحيانًا لا يكون أكثر ما يؤثر في المكان هو ما يحتويه، بل المسافة بين عناصره. فالمقعدان اللذان وُضعا متقابلين قد يفتحان بابًا لحوارٍ عابر يتحول مع الأيام إلى عادة، بينما قد تجعل المسافات الواسعة كل شخص يعيش في زاويته الخاصة. قد يبدو الأمر مجرد توزيعٍ للأثاث، لكنه في الحقيقة توزيعٌ لفرص اللقاء، وللمساحات التي تحتضن الحديث والصمت والوجود معًا.
ولا أنسى درسًا قدمته لنا إحدى أستاذاتي في الجامعة، حين تحدثت عن تصميم غرفة الوالدين. لم يكن النقاش عن الألوان أو الخامات أو حجم الغرفة، بل عن أهمية وجود مساحة بسيطة للحوار داخلها. يومها استوقفتني الفكرة؛ كيف يمكن لركن صغير داخل غرفة أن يكون دعوة إلى الجلوس والحديث، وإلى مشاركة يومٍ طويل؟ عندها أدركت أن التصميم لا يغيّر العلاقات بذاته، لكنه قد يمنحها مساحة لتستمر.
بعد سنوات، قد ننسى لون الجدار، أو شكل الطاولة، أو نوع الأرضية، لكننا سنتذكر من كان يجلس معنا، وما الذي شعرنا به في ذلك المكان.
ولهذا، لا يبدأ التصميم باختيار الألوان أو ترتيب الأثاث، بل بسؤال واحد:
أي شعور نريد لهذا المكان أن يتركه في الإنسان؟
لأننا، في النهاية، لا نتذكر الأماكن كما كانت… بل نتذكر ما جعلتنا نشعر به.