في حضرة الهامش البشري ، بقلم وديع بنجابي
طالما نظرت البشرية إلى التقنية باعتبارها امتداداً لذكائها، ووسيلة لتوسيع حدود قدراتها. غير أن العقدين الأخيرين شهدا انعطافة غريبة؛ إذ تحولت الشاشات، والأجهزة المحيطة بنا، والشبكات التي تربطنا، إلى جدران عازلة. لقد غرقنا في طوفان من البيانات الباردة، ووجدنا أنفسنا نحيا في عالم تتقن فيه “الأشياء” لغة الكلام والترابط، بينما ينزوي الإنسان شيئاً فشيئاً في الهامش، مجرد رقم تعريف أو ملف تعريف ارتباط (Cookie) تُدار حركته خلف الكواليس.
من هنا، يبدو السؤال عن مستقبل هذا الاتصال ملحاً: أين الإنسان في كل هذه المعادلة؟ وهل أصبحت العودة إلى بساطة المعنى البشري خياراً ممكناً، أم ضرورة وجودية لا مفر منها؟
أزمة الكثرة وصمت المعنى
شهد العالم خلال العقود الماضية الانفجار الهائل لما يُعرف بـ “إنترنت الأشياء” (IoT). ربطت هذه الثورة المليارات من الحساسات، والسيارات، والأجهزة المنزلية ببعضها البعض، فصار كل شيء ناطقاً ومتصلاً. لكن، على الرغم من هذا الاتصال الكثيف، بقيت الأجهزة صماء أمام ما يهم الإنسان حقاً: النية، والسياق، والقيمة.
الأجهزة تتواصل بكفاءة مذهلة، لكنها تفتقر إلى القدرة على فهم الهشاشة الإنسانية، أو تقدير البساطة، أو احترام الذاكرة والمكان. لقد أنتجت هذه الكثرة التقنية عزلة جماعية؛ حيث يُتخذ نيابة عن الإنسان آلاف القرارات الخوارزمية كل يوم، دون أن تستند إلى إرادة واعية أو عقد أخلاقي وقانوني يحمي سيادته ككائن مريد.
السيادة والنية: نحو “إنترنت الأشخاص”
إذا كان إنترنت الأشياء قد نجح في وصل “الأدوات”، فإن التحدي الأكبر اليوم يكمن في الانتقال إلى “إنترنت الأشخاص” (Internet of Persons). هذه النقلة ليست مجرد تطوير برمجي، بل هي إعادة تموضع جذرية تجعل التقنية في خدمة الإرادة البشرية لا وصية عليها.
يقوم هذا الفضاء الجديد على ركائز تعيد الاعتبار للإنسان:
- العقود العادلة والقابلة للقراءة: سد الهوة بين صرامة الأكواد البرمجية ودفء اللغة القانونية والأخلاقية الإنسانية، بحيث يكون التفاعل الرقمي محكوماً بتفاهمات واضحة وشفافة.
- السيادة الرقمية: ألا يكون الإنسان سلعة تُستباح بياناته، بل مالكاً لقراره، قادراً على توجيه أتمتة الشبكة بما يخدم قيمه واختياراته الواعية.
- الاقتصاد الإنساني: ربط الشبكة بالبيئة والمجتمع المحلي، لتتحول التقنية من أداة استهلاك مفرط إلى فضاء للاستدامة، يحفظ التوازن بين العائد المادي والعمق الثقافي والإنساني.
نحو أفق أكثر إنسانية
إن الانتقال من حوسبة “الأشياء” إلى فضاء “الأشخاص” يذكرنا بأن التقنية الحقيقية هي تلك التي تشبهنا في هشاشتها وبساطتها؛ أداة لا تبحث عن الإبهار المجرد، بل عن التلامس الصادق مع الأشياء والذاكرة واللحظة العابرة التي تؤسس لما هو أبقى.
إننا لا نكتب تفاصيل هذا المستقبل لنبني قيداً جديداً، انما لنصنع فسحة حوار مفتوحة. دعوة للمشي البطيء في هوامش التقنية، وإعادة الاعتبار لتلك العفوية الإنسانية التي لا تستطيع أي خوارزمية أن تقلدها، ولكل محاولة صادقة لفهم العالم بعيون تحب التفاصيل الصغرى.