بقلم الدكتور/الياس علي رضا فلمبان
:جدة:-
مؤلف كتاب: أسرار صناعة الطائرات مقارنة بصناعة الطيران
في عرف الدول الصناعية والمتقدمة، تعتبر صناعة الطائرات أحد الركائز الأساسية للصناعات الإستراتيجية للدول الصناعية وأحد أهم الصناعات التي تدعمها وتفخر بها بشقيها العسكري والمدني.
تبنَِي هذه الصناعة هي قصة تبدأ من محاولة صناعة الأجزاء الرئيسية للطائرة بما تحويها من خامات ومكونات وصولا إلى القدرة الكاملة على التصنيع والتجميع لكامل أجزاء ومكونات الطائرة لنشاهد الطائرة الكاملة وهي تقلع وتطير وتهبط بكل يسر وسهولة، وهذ النطاق قد يشمل جميع الطائرات أو بعض من فئاتها الصغيرة إلى خفيفة البدن وصولا إلى المتوسطة وعريضة البدن.
إن غياب مثل هذه الركيزة الصناعية الأساسية من الدول المتقدمة يضعف الميزان التجاري للدول ويجعل القرار التجاري بيد المنافسين، والدول الصناعية لا تتقبل أن يكون القرار إلا بيدها، لذلك نجد بأن جميع الدول المتقدمة هي صاحبة القرار ويلحق بها من في ركبها من الدول النامية، فهي تعطيها مساحة من القوة في عالم القوى، وترفع القدرة الإنتاجية المحلية للدولة GDP من ناحية وتساهم في التفوق الصناعي والدفاعي والعسكري.
وبما أننا بحمد الله وبالجهود الموفقة لحكومة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله وبتوجيهات سمو سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز عراب رؤية 2030 حفظه الله، أصبحت مملكتنا عضوا دائما في مجموعة العشرين الأكثر تقدما، ما يشير إلى الحاجة أن نولي هذا الجانب حقه من الرعاية بحثا عن المحتوى المحلي وصولا إلى الإكتفاء الذاتي.
في هذه المقالة لن نتطرق إلى الجانب العسكري فهو سيادي ولا مجال للخوض فيه، ولكن نتطرق إلى الجانب التجاري فقط.
إن المتابع لتاريخ التطور الصناعي الجوي والفضائي في جميع الدول النامية والتي أدركت ركب الدول المتقدمة لاحقا، سيجد بأن إدراك الركب يستوجب استحداث نهضة صناعية تحت إشراف مركز أبحاث متكامل مدعوم بدعم حكومي قوي وكاملا في البدايات حتى تكتمل مقومات الصناعة الجوية لتنهض الصناعة تكامليا، ولن تبدأ مراحل التخصيص والتحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص إلا بعد النجاح التام للصناعة لتضع الحكومات خططا ديناميكية لضمان التحول الناجح بمخاطر منخفضة،
ولكن كيف يتم ذلك؟
عندما يتم التعامل مع هذا الملف على أنه ملف استراتيجي يمس مكانة وسمعة البلد وقوتها الصناعية فعندها يلتزم الجميع بإنجاحه رغما عن الظروف والتحديات.
وآخر دولة عظمى نجحت في اللحاق بالركب حاليا هي الصين، وهي وإن كانت من الدول الخمس دائمة العضوية وأدركت صناعة الطائرات العسكرية مبكرا إلا أنها تأخرت في المجال المدني التجاري.
ومن محاسن الصدف أن يتولى خبير الطاقة والبترول العالمي صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز حقيبة وزارة الصناعة إضافة إلى حقيبة وزارة الطاقة ومن ثم توليه رئاسة مجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي ليضيف الثقل المطلوب لدعم وإنجاح إنشاء مثل هذه الصناعات الإستراتيجية.
فمن المؤسف أن عرض مثل هذه المشاريع على رواد الأعمال يرتد بالمقولة المطاطية المسوفة التي يتداولها رجال الأعمال للتهرب من المشاريع الاستراتيجية وهي: رأس المال جبان، إذ أن الكثير من رجال الأعمال لا توجد لديهم القابلية ولا ثقافة المشاريع بعيدة المدى، فجهل بعضهم يجعلهم يبحثون عن الأرباح السريعة وهذا ما قاله لي أحدهم عندما علق قائلا بأنه يفضل تصنيع كراتين البيض على أن يدخل في مثل هذه المشاريع التي تحتاج إلى سنوات من الصبر من جني العائدات لتعويض واستعادة رأس المال، فالعلة ليست في ارتفاع التكاليف قدر ما هي الصبر وطول الإنتظار، دون إدراكهم واستيعابهم لحقيقة أن الأرباح المتوقعة ستأتي من المضاعفة السوقية لرأس المال قبل بلوغ مرحلة الإنتاج.
فمن الحقائق المهمة التي يجب على جميع رواد الأعمال معرفتها، أن قيمة رأس المال في مشاريع صناعة الطائرات ترتفع وتتضاعف بمجرد ارتفاع القيمة السوقية للمشروع ما قد يصعد بها ويصل إلى مئة ضعف في آخر المطاف، فبمجرد البدأ في المشروع تتضاعف القيمة السوقية للمشروع سنويا إلى ضعفين على أقل تقدير في البدايات طالما أن المشروع مستمر ولم يتوقف وتتصاعد القيمة مع التصاعد في الزمن والتصاعد في الإنجاز.
فكلما مرت سنة أو تم الإنتهاء من مرحلة متقدمة من صناعة الطائرة ترتفع القيمة السوقية للمشروع ويتضاعف معها رأس المال، فتجد بأنه وبمجرد الإعلان عن الإنتهاء من مرحلة الأبحاث والنجاح الأولي لتصنيع للنموذج التجريبي الأولي PROTOTYPE والبدأ في اختبارات الجهد والإهلاك للنموذج الأولي، سيزرع الثقة الكاملة في جدية المشروع وكذلك الثقة في فريق العمل ومنتجاتهم، وسترتفع القيمة السوقية للمشروع لتصل إلى عشرات الأضعاف.
وبيت القصيد هنا أن الملاك المؤسسين للمشروع يمكنهم جني الأرباح مع استعادة رأس المال كاملا قبل البدأ في الإنتاج الفعلي وذلك ببيع نسبة دونية من حصص رأس المال لشركاء آخرون خلال مراحل تأسيس ونمو المشروع.
والخلاصة أنه من الممكن للملاك استعادة كامل رأس المال الذي دفعوه في البدايات مع بعض الأرباح بينما لازالوا يحافظون على النسبة العظمى من رأس المال وحق القرار الإداري ناهيك عما ستصل إليه القيمة السوقية بمجرد بدأ خط الإنتاج.
فلنأخذ التجربة الصينية على سبيل المثال، فبالرغم من أنها ركزت على الصناعات العسكرية والفضائية ابتداء، بتصنيع المقاتلات والصواريخ ومكوكات الفضاء منذ العام 1956 مستغلة دعم الإتحاد السوفييتي لها ونجحت في ذلك في العام 1970 إلا أن صناعة الطائرات التجارية لم يواكب الطائرات السوفيتية آنذاك للعديد من الأسباب وأهمها أنها كانت تعتمد على طائرات الإتحاد السوفيتي المدنية، إلا أن انهيار الإتحاد السوفيتي وتحول المصانع لتكون تحت إمرة أوكرانيا جعل الصين لا تجد بداً من البدأ في عصر صناعة الطائرات التجارية الصينية المحلية لإنشاء مركز للأبحاث وتأسيس شركة كوماك في عام 2008 وتبدأ معها رحلة الأف ميل بخطوة وتدخل نادي مصنعي الطائرات التجارية وها هي طائراتها الآن تطير آمنة في الجو الصيني والقيمة السوقية للمشروع مستمرة في الإرتفاع.
كذلك استغلت حكومة كوريا الجنوبية دعم الحكومية الأمريكية لها في أسوأ ظروف مرت بها واستغلت الدعم الموجه لها والسماح لها لصناعة طائرات F15-SE المتطورة لتكوين شركة عملاقة – KAI – من شركاء عمالقة كشركة سامسونغ ودايو للصناعات الثقيلة في العام 1999 لتقوم ببناء قاعدة للأبحاث الصناعية الفضائية وتنشأ بنية تحتية ضخمة ومتطورة اعتمدت فيها على التقنية الأمريكية ابتداء ثم طورت من نفسها لأقصى درجة فأدخلت الآلات الذكية والروبوتات التي تم تصنيعها محليا في نفس المصنع لخدمة خطوط الإنتاج ناهيك عن المهارات الصناعية والتقنية التي اكتسبها المهندسين والفنيين، فكما كانت تصنع الأجزاء الرئيسية للطائرات كانت تصنع القوالب والعدد والمعدات والرجال الآليين ومعهم شبكة خاصة وبرامج ذكية خاصة بهم، وقد توجت تمكنها وخبرتها في نقل التقنية لتبدأ في صناعة طائرات عسكرية محلية الصنع، وقد أعلنت قبل سنوات نجاحها في دخولها لنادي مصنعي الطائرات العسكرية بصناعة ثلاث فئات من الطائرات غطت ثلاث من الاحتياجات المحلية وهي الطائرات التدريبية والطائرات العمودية والمقاتلات الخفيفة، وتوجته لاحقا بتوقيع عقود لبيع طائراتها لبعض الدول الأخرى، ولا يخفى على المتابع أن تلك الصناعات كانت السبب الرئيسي لظهور التطور الصناعي في كوريا الجنوبية كلها، فقد تم نقل تلك التقنيات المتطورة لتدعم جميع المسارات الصناعية في البلاد ومنها منتجات سامسونغ من الجوالات الذكية إلى الأجهزة المنزلية وصولا إلى السيارات الكورية المتطورة كهيونداي وكيا وغيرهم وكذلك تطورت الصناعات الطبية وصناعة الروبوتات وبقية الصناعات الاستراتيجية الأخرى في شتى أنحاء البلاد، كلها تطورت تباعا وتزامنا حتى صارت البلاد من أكثر دول العالم تقدما وتطورا.
عودة إلى وطننا الغالي، فإن قصة نجاح شركة السلام سامي – عندما كانت السلام للصناعات الفضائية – في برنامج تصنيع الأجزاء الرئيسية لطائرة F-15 SA لتصبح محلية الصنع ومن ثم نجحت في تجميعها محليا وهو ما يفتح المجال لجعل أرض المملكة العربية السعودية خصبة للخوض في هذا المجال من جانب الصناعات التجارية والمدنية بكل ثقة واقتدار، في العقول السعودية قادرة وبإذن الله تعالى وبأيدي سعودية.
وهنالك البعض من الشركات الناشئة المحلية التي تحاول دخول عالم صناعة الطائرات الصغيرة وبدأ الصناعة بأيدي وطنية وأموال محلية، ولكنها بحاجة إلى وجود الداعم ذو النظرة بعيدة المدى، كما توجد فرص كبيرة للشراكات العالمية حيث توجد العديد من المصانع الجوية الغربية في مجالات الطائرات الآلية الكهربائية – القابلة لتوليد الهيدروجين – المؤهلة لحمل الركاب والخدمات اللوجستية والإسعاف الطائر في فترة الحج والعمرة للمناطق القريبة وللمناطق النائية بل وصناعة بعض من مكونات الطائرات وجميعها ترغب وتتمنى نقل كامل محتواها من رخص وحقوق ومصانع إلى أرض المملكة العربية السعودية لتتحول الصناعة إلى صناعة سعودية كاملة وبأيدي سعودية، فقط بانتظار الداعم المقتدر لتحقيق تلك الأمنية.
وبنظرة فاحصة لقدراتنا فتوجد لدينا فرص حقيقية لبدء خطوط انتاج محلية لصناعة العديد من أجزاء ومكونات الطائرات التجارية كما توجد العديد من الفرص لصناعة طائرات متكاملة، ويا حبذا لو كانت متجاورة في مجمع صناعي جوي تجاري على حدود أحد المطارات المحلية لإجراء التجارب الميدانية المباشرة ولتدعم تلك الصناعات بعضها البعض بالتقنيات والخبرات المدنية أشبه ما يكون بأنموذج مشروع برنامج التوازن الاقتصادي العسكري في التسعينات والذي تمركز على القدرة المحلية للصيانة والتحديث ليكون البرنامج الجديد هو مبادرة للصناعة الجوية المحلية والتطوير.
أمنياتنا أن تتولى وزارة الصناعة إنشاء هذه المبادرة لتكون باكورة الصناعات الجوية الحيوية برعايتها لدفع عجلة الصناعة الجوية ومن ثم يتبعها دخول رجال الأعمال كشركاء ومساهمين لتنطلق الصناعة على أوجها التجاري في الوجهة الصحيحة وبدعم متكامل.
وفق الله خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وحكومتنا الرشيدة وسمو وزير الصناعة وكافة مسؤوليهم لكل ما فيه خير البلاد والعباد.
لظهور التطور الصناعي في كوريا الجنوبية كلها، فقد تم نقل تلك التقنيات المتطورة لتدعم جميع المسارات الصناعية في البلاد ومنها منتجات سامسونغ من الجوالات الذكية إلى الأجهزة المنزلية وصولا إلى السيارات الكورية المتطورة كهيونداي وكيا وغيرهم وكذلك تطورت الصناعات الطبية وصناعة الروبوتات وبقية الصناعات الاستراتيجية الأخرى في شتى أنحاء البلاد، كلها تطورت تباعا وتزامنا حتى صارت البلاد من أكثر دول العالم تقدما وتطورا.
عودة إلى وطننا الغالي، فإن قصة نجاح شركة السلام سامي – عندما كانت السلام للصناعات الفضائية – في برنامج تصنيع الأجزاء الرئيسية لطائرة F-15 SA لتصبح محلية الصنع ومن ثم نجحت في تجميعها محليا وهو ما يفتح المجال لجعل أرض المملكة العربية السعودية خصبة للخوض في هذا المجال من جانب الصناعات التجارية والمدنية بكل ثقة واقتدار، في العقول السعودية قادرة وبإذن الله تعالى وبأيدي سعودية.
وهنالك البعض من الشركات الناشئة المحلية التي تحاول دخول عالم صناعة الطائرات الصغيرة وبدأ الصناعة بأيدي وطنية وأموال محلية، ولكنها بحاجة إلى وجود الداعم ذو النظرة بعيدة المدى، كما توجد فرص كبيرة للشراكات العالمية حيث توجد العديد من المصانع الجوية الغربية في مجالات الطائرات الآلية الكهربائية – القابلة لتوليد الهيدروجين – المؤهلة لحمل الركاب والخدمات اللوجستية والإسعاف الطائر في فترة الحج والعمرة للمناطق القريبة وللمناطق النائية بل وصناعة بعض من مكونات الطائرات وجميعها ترغب وتتمنى نقل كامل محتواها من رخص وحقوق ومصانع إلى أرض المملكة العربية السعودية لتتحول الصناعة إلى صناعة سعودية كاملة وبأيدي سعودية، فقط بانتظار الداعم المقتدر لتحقيق تلك الأمنية.
وبنظرة فاحصة لقدراتنا فتوجد لدينا فرص حقيقية لبدء خطوط انتاج محلية لصناعة العديد من أجزاء ومكونات الطائرات التجارية كما توجد العديد من الفرص لصناعة طائرات متكاملة، ويا حبذا لو كانت متجاورة في مجمع صناعي جوي تجاري على حدود أحد المطارات المحلية لإجراء التجارب الميدانية المباشرة ولتدعم تلك الصناعات بعضها البعض بالتقنيات والخبرات المدنية أشبه ما يكون بأنموذج مشروع برنامج التوازن الاقتصادي العسكري في التسعينات والذي تمركز على القدرة المحلية للصيانة والتحديث ليكون البرنامج الجديد هو مبادرة للصناعة الجوية المحلية والتطوير.
أمنياتنا أن تتولى وزارة الصناعة إنشاء هذه المبادرة لتكون باكورة الصناعات الجوية الحيوية برعايتها لدفع عجلة الصناعة الجوية ومن ثم يتبعها دخول رجال الأعمال كشركاء ومساهمين لتنطلق الصناعة على أوجها التجاري في الوجهة الصحيحة وبدعم متكامل.
وفق الله خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وحكومتنا الرشيدة وسمو وزير الصناعة وكافة مسؤوليهم لكل ما فيه خير البلاد والعباد.