بقلم وديع بنجابي
قبل أن تصبح الخوارزميات هي من تقود خطانا، وقبل أن تتحول الشاشات إلى منصات تواصل اجتماعي تلاحقنا بالإشعارات، كان هناك زمن آخر للإنترنت والتقنية في عالمنا العربي. زمن كان فيه الدخول إلى الشبكة العنكبوتية يمر عبر طقوس مقدسة، وصوت “رنة المودم” الشهير يعلن ولادة مغامرة جديدة.
لنعد بالذاكرة إلى الخلف، ونستحضر البدايات والمبادرات التي صنعت جيل الرواد الرقميين العرب.
🇰🇼 البداية من الكويت: كمبيوتر “صخر” والتعريب الأول
لا يمكن الحديث عن الثقافة الرقمية العربية دون الانحناء احتراماً لمشروع “كمبيوتر صخر” الذي انطلق من الكويت في منتصف الثمانينات (عام 1984) بجهود رجل الأعمال محمد الشارخ.
- الأهمية: صخر لم يكن مجرد جهاز ألعاب، بل كان البوابة التي كسرت حاجز اللغة بين المواطن العربي والآلة.
- الأثر: من خلاله تعلم الجيل الأول مبادئ البرمجة بـ “صخر بيسك”، وتعرفوا على البرامج التعليمية، والقرآن الكريم الرقمي، وألعاب أسطورية مثل “ابن النفيس” و”مغارات علي بابا”.
📞 عصر المودم والبطاقات: “تشششش خخخخخ”
مع دخول التسعينات وبداية الألفية، بدأت خطوط الهاتف الأرضي تتحول إلى شرايين تنقل الويب إلى المنازل.
- الطقوس: شراء بطاقات الإنترنت مسبقة الدفع (مثل بطاقات أول نت، أو نسما في السعودية).
- التضحية: فصل هاتف المنزل بالكامل لتشغيل الإنترنت عبر خدمة (Dial-up)، وتحمل صراخ الأهل لانتظار مكالمة مهمة!
من الأردن: “استضافة جيران” وبناء البيوت الرقمية
في عام 2000، انطلقت منصة “جيران” من الأردن لتمنح المستخدم العربي لأول مرة فرصة ليمتلك “عنواناً” على الإنترنت مجاناً.
- الأثر: تحول كل شاب وفتاة إلى مصمم مواقع مبتدئ. تعلمنا لغة HTML، ورفعنا صور الـ GIF المتحركة، وخلفيات النجوم، وعدادات الزوار الفلاشية.
- المفهوم: كان الموقع الشخصي على “جيران” بمثابة مجلس أو غرفة خاصة تعبر عن هوية صاحبها، بعيداً عن قوالب السوشيال ميديا الموحدة اليوم.
بريد “مكتوب”: الهوية العربية التي هزمت الياهو
في نفس الفترة، أسس سميح طوقان وفادي غندور موقع “مكتوب” (Maktoob). في وقت كانت فيه شركات مثل Yahoo وHotmail تتحدث الإنجليزية فقط، جاء مكتوب ليمنحنا أول بريد إلكتروني باللغة العربية بالكامل.
- التوسع: لم يكن مكتوب مجرد إيميل، بل تحول إلى إمبراطورية تضم “شات مكتوب” (ساحة التعارف الكبرى)، والمنتديات، ومدونات مكتوب.
- القمة: نجاح هذه المبادرة كان ملهماً جداً، وتوّج هذا النجاح بالصفقة التاريخية عام 2009 عندما استحوذت شركة Yahoo العالمية على مكتوب.
💬 المنتديات والـ MSN Messenger: مجتمعات حقيقية
لا يكتمل المقال دون ذكر المنتديات العربية (مثل الساحة العربية، ومنتديات الإقلاع، ومصراوي) التي كانت بمثابة الصحافة الشعبية والجامعات الثقافية للشباب. بجانبها، كان برنامج MSN Messenger هو وسيلة التواصل الفوري، حيث كانت الرموز التعبيرية (Emojis) والـ (Buzz) وحالات “الاستماع إلى” هي لغة التعبير اليومية.
خاتمة: ماذا بقي من ذلك العصر؟
رغم أن “صخر” أصبح قطعة من التاريخ، و”مكتوب” و”جيران” أغلقت منصاتها، إلا أن الأثر الذي تركت هذه المبادرات لا يموت. لقد صنعت هذه البدايات جيلاً مبدعاً يدرك قيمة المحتوى، ويفهم أن الإنترنت مساحة للبناء والمشاركة، وليس فقط للاستهلاك السلبي. العودة بذاكرتنا إلى ذلك العصر ليست مجرد نوستالجيا (حنين للمادي)، بل هي تذكير بالروح الحقيقية والجميلة للويب.