سينما بلا كلمات: “SAMSARA” وميراث الفن التجريبي الصامت

بقلم: وديع بنجابي

في زمنٍ تهيمن عليه المؤثرات البصرية الصاخبة والحبكات المتسارعة، يظهر فيلم مثل SAMSARA كحالة نادرة وملهمة. إنه ليس فيلمًا بالمعنى التقليدي، بل تجربة بصرية وروحية، تنتمي إلى مدرسة من السينما التجريبية الصامتة التي لا تحتاج إلى حوار كي تلامس أعماق الإنسان.

في مقابلة حصرية جمعت صُنّاع الفيلم، المخرج رون فريكي والمنتج مارك ماجيدسون، ظهرت معالم هذه الرؤية الجمالية التي تبلورت على مدى عقود، بدأت بفيلم Koyaanisqatsi (1982)، وتجلّت لاحقاً في أفلامهم الثلاثية: Chronos، Baraka، وأخيراً Samsara.


كويانسكاتسي… البوابة إلى سينما التأمل

يُعد فيلم Koyaanisqatsi — المأخوذ من لغة الهوبي ويعني “الحياة الخارجة عن التوازن” — علامة فارقة في تاريخ السينما التجريبية. لا يحتوي الفيلم على أي حوار، بل يقدّم سلسلة من المشاهد المصورة بأسلوب التايم لابس، مصحوبة بموسيقى مركّبة للمؤلف الشهير فيليب غلاس. كان هذا العمل لحظة تحول في وعي فريكي، الذي كان المصوّر الرئيسي فيه، وشرارة انطلاق نمط جديد من السرد البصري الحر.

يقول ماجيدسون في المقابلة: “عندما شاهدت Koyaanisqatsi لأول مرة، كنتُ مذهولاً. بعدها بدأنا رحلتنا الفنية معاً، مدفوعين بشغف حقيقي لصناعة أفلام لا تُشبه شيئاً آخر.”


SAMSARA… ما بعد الصمت

استغرق تصوير Samsara أكثر من خمس سنوات، شمل 25 دولة، وصُوّر بكاميرات 70mm التقليدية، ما يمنحه طابعاً بصرياً خاماً ونقياً. الفيلم لا يقدم قصة، بل تدفقاً من المشاهد المرتبطة بالتأمل والتناقضات الإنسانية — من المعابد الآسيوية إلى مصانع الذبح، ومن وجوه الأطفال إلى طقوس الموت.

ويشرح فريكي أن عملية المونتاج بدأت دون موسيقى، بهدف التركيز الكامل على الصورة: “دعونا المشاهد تقودنا… أردنا بناء الفيلم كنوع من التأمل المُوجّه، حيث كل مشهد يرتبط بما قبله بروحٍ واحدة.”

لاحقاً، تم تأليف الموسيقى خصيصاً لتتناغم مع تدفق الصورة، لا لتقودها. هذه التقنية أسفرت عن مشاهد تحترم وعي المشاهد، وتمنحه الحرية في التفسير والتفاعل.


فن بلا ترجمة… بلا لغة

اللافت في هذا النوع من السينما أنه لا يحتاج إلى ترجمة. Baraka وSamsara يُعرضان في صالات من طوكيو إلى باريس دون أن يفقدا أي من قوتهما التعبيرية. لا كلمات، لا حوارات، فقط صورة وموسيقى وانطباع شخصي يُخلق داخل كل مشاهد.

يقول ماجيدسون: “أدركنا لاحقًا أن أفلامنا تُعرض حول العالم، وأن الناس يستقبلونها كلغة إنسانية عالمية. هذه أفلام تتجاوز الثقافات والدين والجغرافيا، لأنها ببساطة تتحدث عن الإنسان.”


الفن التجريبي كضرورة

يمثل Samsara امتداداً لفن نادر في عصر السرعة، ويذكّرنا بأن السينما ليست بالضرورة حكاية تُروى، بل قد تكون مرآة للروح. وبينما يتحدث كثيرون عن السينما كصناعة، يأتي هذا الفيلم ليعيدنا إلى السينما كفن، تجريبي، تأملي، وشجاع.

إنه نوع من الفن يتطلب من صانعه الصبر، ومن مشاهده التأمل، ومن المؤسسة الثقافية الاعتراف بقيمته.


ومضة أخيرة

إذا كان عليك اختيار فيلمٍ واحد لتقدّمه إلى كائن فضائي يجهل كوكب الأرض، فإن Samsara سيكون خيارًا مذهلاً — لأنه ببساطة يعرض كل شيء، دون أن يقول شيئًا.


شاهد أيضاً

دار شجن تتميز في مركاز البلد الامين

بقلم: سعود محمد – مدير عام حاضنة مأمني الإبداعية منذ انطلاق النسخة الأولى من مركاز …