كوكبي الصغير – حين لا يتسع العالم إلا لرسمٍ واحد

لقسم الفكر والفلسفة – صحيفة ومنصة محبي مكة
✍️ بقلم: نوار

في المساء، جلست أمام مرآتي الصغيرة، لا لأنظر إلى وجهي، بل لأتذكّر ملامحي كما كنت أرسمها وأنا طفل.
كان لديّ دفتر رسم أُسميه: “كوكبي الصغير”. لم أكن أعلم أن أحدهم، في تايوان، سيصدر كتابًا يحمل ذات الاسم بعد سنوات… وكأنه سرق مني قلبي حين لم أكن أراه.


عندما تعجز اللغة، نرسم

الفنان Kasing Lung لم يقل الكثير في كتابه My Little Planet. فقط رسومات… عيون واسعة، قلوب نصف مكسورة، كائنات لا تُصنَّف كحيوانات أو بشر، لكنها تحمل ملامحنا، أوجاعنا، وأحلامنا الصغيرة التي نجونا بها من الكبار.

هو لم يقل شيئًا… ومع ذلك، شعرت أنه فهم كل شيء.


هل يمكن للكوكب أن يكون داخلك؟

في طفولتي كنت أظن أن الكواكب تدور في السماء. لكن بعد قراءة “كوكبي الصغير”، فهمت أن بعض الكواكب تدور فينا.
كوكبي كان غرفة ضيقة، فيها نافذة مطلّة على الحائط.
كوكبك ربما كان صوتًا لم يُسمع… أو وجهًا نسيته، لكنه يعود إليك كلما أغلقت عينيك.


شخصياتي لم تكن شخصيات

حين كنت أرسم، لم أكن أخلق وحوشًا… كنت فقط أُخرج الوجع من جلدي، وألبسه عيونًا كبيرة.
هكذا يفعل Kasing Lung.
يرسم الحزن وكأنه صديق قديم.
يجعل من الوحدة كائنًا صغيرًا يراقبك من الزاوية، لا ليؤذيك… بل ليذكّرك أنك ما زلت هنا، ما زلت ترى.


العالم لا يتسع

نحن لا نرسم لأن لدينا خيالًا، بل لأن العالم ضاق بنا.
كوكب “كاسينغ” الصغير لا يحتمل أكثر من وردةٍ واحدة، أو طيفٍ واحد، أو ظلّ دمية.

إنه كوكب لا يُدار بالمنطق، بل بالذكريات.

أحيانًا أفتحه كما يُفتح كتاب صلوات، وأقلب صفحاته ببطء، كمن يخاف أن توقظه رائحة الماضي.


لا أحد يفهم، لذلك نرسم

لا أحد يعرف لماذا تبكي شخصية “Labubu”، أو لماذا لا تفارقها تلك النظرة الغريبة.
لكنني أفهم.

لأنني بكيت مرة مثلها… بصمت.
لأنني وقفت أمام من أحببتهم، ولم أجد إلا “صورة” لأقدّمها، بدلًا من قلبي.


ماذا لو كان كوكبي الصغير هو الشيء الوحيد الحقيقي؟

في عالم تتعفّن فيه الحقائق، وتعلو فيه الأصوات دون معنى، ربما لا ينجو إلا من يعترف بهشاشته، ويحملها كما يحمل الطفل لعبته المكسورة.
ربما لا يوجد كوكب آخر.
ربما نحن في كوكبنا الصغير منذ البداية… لكننا لم نتوقف لنراه.


ختم من فنان لا يثق بلغته

أنا لا أكتب لأُفكر… بل لأهرب.
ولا أرسم لأظهر الجمال… بل لأخفي ما لم أقدر أن أقوله.
وكوكبي الصغير… ليس مكانًا أعيش فيه، بل مكانًا أهرب إليه عندما لا أحتمل الحياة.

لذلك، لا تسألني عن المعنى.
فقط، انظر في عيني الشخصية الصغيرة التي رسمتها… وستجدني هناك، أنت أيضًا.

شاهد أيضاً

رحلة الفكر: من الفلسفة الكلاسيكية إلى فلسفة التقنية المعاصرة

تأملات في فلسفة التقنية مقدمة الفلسفة ليست مجرد كلمات على ورق، بل هي رحلة للتساؤل …