
بقلم الكاتبة والإعلامية/ وجدان الزهراني
هَا قَدْ أَضْحَتْ عَرَفَةُ مُقْبِلَةً.. وَالقُلُوبُ إِلَيْهَا تَائِقَةٌ!.. وَلَكِنْ أَتَعْلَمُونَ مَا عَرَفَةُ؟ هِيَ اسْمٌ وَاحِدٌ.. وَلَكِنْ تَعَدَّدَتِ الأَقْوَالُ وَالآرَاءُ، وَالكُلُّ عَنْهَا يَحْدُسُ..
فَالبَعْضُ قَالَ: عَرَفَةُ تُسَمَّتْ لِأَنَّ أَبَانَا آدَمَ وَأُمَّنَا حَوَّاءَ قَدِ الْتَقَيَا فِيهَا
وَتَعَارَفَا بَعْدَ خَطِيئَتِهِمَا الَّتِي أَنْزَلَتْهُمَا إِلَى الأَرْضِ.. وَالبَعْضُ قَالَ: عَرَفَةُ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُعَلِّمُ النَّبِيَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنَاسِكَ الحَجِّ.. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقُولُ لَهُ: “أَعَرَفْتَ؟” فَيَرُدُّ: “عَرَفْتُ”.
وَسُمِّيَتْ عَرَفَةُ أَيْضًا لِأَنَّ العِبَادَ الحُجَّاجَ يَعْتَرِفُونَ بِخَطَايَاهُمْ حُفَاةً عُرَاةً..يَطْلُبُونَ مَغْفِرَةَ اللَّهِ لِذُنُوبِهِمْ فِي هَذَا المَكَانِ.. وَأَخِيرًا وَلَيْسَ آخِرًا.. عَرَفَةُ مِنَ (العَرْفِ)؛ أَيْ الرَّائِحَةُ الزَّكِيَّةُ لِلطِّيبِ.. لِأَنَّ المَكَانَ مُقَدَّسٌ وَمُعَظَّمٌ.. وَلَكِنَّ القَوْلَ الأَرْجَحَ هُوَ القَوْلُ الأَوَّلُ.
وَهَا قَدْ أَصْبَحَ الفَارِقُ مَسَاءً يُضِيءُ قُلُوبَنَا بِالهُدُوءِ.. اسْتِعْدَادًا لِصَبَاحِ يَوْمِ عَرَفَةَ العَظِيمَةِ.. الَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا النُّزُولُ الإِلَهِيُّ.. وَالفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ لَيْلَةِ القَدْرِ أَنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَنْزِلُ فِيهَا المَلَائِكَةُ.. بَيْنَمَا فِي ظُهْرِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ خَالِقُ الوُجُودِ—خِلَافَ جَمِيعِ اللَّيَالِي الَّتِي يَنْزِلُ فِيهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ—وَلَكِنْ لِعَظَمَةِ وَبَرَكَةِ وَشَرَفِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالعِبَادِ.. الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ مَوْلَاهُمْ حُفَاةً عُرَاةً عِنْدَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ بِالدُّعَاءِ.. يَنْتَظِرُونَ نُزُولَ رَحْمَتِهِ.. لِتَغْشَاهُمْ فَتُجَلِّلَهُمْ.
دَعَوَاتٌ يُلِحُّونَ بِهَا عَلَى خَالِقِهِمْ.. وَحَاشَاهُ أَنْ يُخْذِلَهُمْ.. يَا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ مُهِيبٍ!
تَأَمَّلُوا مَعِي هَذِهِ القِصَّةَ الرُّوحَانِيَّةَ: الأَعْرَابِيُّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الدُّعَاءَ.. عِنْدَمَا كَانَ وَاقِفًا فِي عَرَفَةَ بَيْنَ الحُجَّاجِ.. وَهُوَ لَا يَحْفَظُ أَدْعِيَةً طَوِيلَةً.. وَلَمَّا رَأَى النَّاسَ حَوْلَهُ مُتَضَرِّعِينَ إِلَى اللَّهِ يَبْكُونَ.. قَالَ: “اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كَمَا أَعْطَيْتَهُمْ”.
فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِاسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ.. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ”.
وَأَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
فَأَكْثِرُوا مِنْهَا.. وَلَوْ لَمْ تَكُونُوا بَيْنَ الزِّحَامِ مُلَبِّينَ.. فَادْعُوا اللَّهَ بَيْنَ زِحَامِ الحَيَاةِ.. فَاللَّهُ يُحِبُّ العَبْدَ اللَّحُوحَ الأَوَّابَ كَثِيرَ العَوْدَةِ إِلَيْهِ.. فَنَجَاتُنَا وَمَفَرُّنَا إِلَيْهِ.
فَأَحْسِنُوا فِي هَذَا اليَوْمِ بِكَثِيرِ الدُّعَاءِ.. وَاسْأَلُوا اللَّهَ لِكُلِّ مَنْ رَأَى وَقَرَأَ أَنْ يُحَقِّقَ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ أُمْنِيَاتٍ الآنَ ! .