بقلم : المحامي عمران محمد الشمالي – الرياض
تعد مهنة المحاماة ركيزة أساسية في منظومة العدالة المستدامة؛ فالقوانين المعاصرة لا تراها مجرد وظيفة، بل شريكاً أصيلاً للسلطة القضائية في كشف الحقيقة وضمان حق الدفاع المكفول دستورياً.
التأصيل الشرعي: الوكالة في الخصومة
لقد أصّلت الشريعة الإسلامية لهذه المهنة منذ قرون طويلة تحت مفهوم “الوكالة في الخصومة”، وجاء هذا التأصيل استجابةً للتفاوت البشري الطبيعي في القدرة على البيان والحِجّة؛ فليس كل صاحب حقٍّ قادراً على إظهار حقه، ومن هنا انطلقت المحاماة في الفقه الإسلامي كأداة لإعلاء قيمة نصرة المظلوم، ومعاونة القضاء على الوصول إلى وجه الحق.
بين جوهر الشريعة وشكلية القانون
ورغم الوفاق على الغايات، يبرز تمايزٌ منهجي دقيق بين الإطارين:
عمق الشريعة: يركز الفقه الإسلامي على الجوهر والضمير الإنساني؛ حيث تفرض الشريعة على المحامي رقابةً ذاتية تمنعه من الدفاع عن باطلٍ يعلمه.
شكلية القانون: يعتني القانون المعاصر بالإجراءات والمهل الزمنية، باعتبارها سياجاً وقائياً يضمن سلامة سير المحاكمة ويحمي الحقوق من العبث.
ومن هذا المنطلق، يغدو التكامل بينهما ضرورة ممارسة، فلا غنى للشرعي عن قوالب القانون وأدواته لتمكين الحق وحمايته، ولا غنى للقانوني عن روح الشريعة ومقاصدها لئلا تصبح الأنظمة نصوصاً صامتة تخلو من نبض العدالة.
وعلى الرغم من هذا التمايز المنهجي، يلتقي الإطاران عند غاية أسمى وهي تحقيق العدالة الناجزة، ومنع استقواء القوي بماله أو نفوذه أو فصاحته على الضعيف، بالتوازي مع فرض أخلاقيات مهنية صارمة، يأتي على رأسها وجوب حفظ أسرار الموكلين، وإخلاص النية في نصرة المظلوم؛ لتؤكد المحاماة عبر التاريخ والواقع أنها ليست مجرد وسيلة لكسب العيش، بل هي رسالة سامية يمتزج فيها ضمير الشريعة بإنصاف القانون.
تم بحمدالله.