هناك لحظات في مسيرة الإنسان المهنية والشخصية يقف فيها متأملًا، ليس فقط ليرصد كم تغيرت الأشياء من حوله، بل ليرى كيف نضجت الأفكار وتحولت إلى كيانات تصنع الأثر. واليوم، وأنا أنظر إلى الحراك الهائل الذي تشهده أندية التوستماسترز (Toastmasters) خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لا يسعني إلا أن أشعر بفيض من الفخر والابتهاج بهذا التطور الاستثنائي الذي يتسامى أمام أعيننا، داعين ببركة مستمرة: “ما شاء الله تبارك الله”.
تعود بي الذاكرة إلى قرابة عام 2017، حين انضممتُ إلى هذا العالم قبل أن ينتشر مفهوم التوستماسترز ويُشرح بشكل كامل في المنطقة. أذكر تلك الأيام وتلك الجلسات التي كان يستضيفها “نادي الوحدة”؛ أيامٌ كانت تفيض بالذكريات الجميلة، محفوفةً بشغف البدايات البسيطة والخطوات الأولى نحو صقل الكلمة وبناء قادة المستقبل. كنتُ حينها عضوًا يراقب المشهد عن كثب، ربما لم أكن العضو الأكثر مشاركة في تقديم الخطب، لكنني كنتُ دومًا وبكل جوارحي من أولئك الذين يحملون اهتمامًا عميقًا ودعمًا حقيقيًا لكل ما يحدث في هذا الفضاء.
وكعادة مسارات الحياة، تأتي المحطات الفاصلة لتعيد ترتيب الأولويات؛ ومع حلول أيام جائحة كورونا، شعرتُ بأن تلك المرحلة قد استوفت أثرها وانتهى شغفي المباشر بها، لتنتهي عضويتي الرسمية هناك. لم يكن ذلك تراجعًا، بل كان انتقالاً نحو أفق جديد باشرتُ فيه مشروعاتي، وأطلقتُ عبره برامجي ودوراتي الإبداعية على أرض الواقع، مستندًا إلى ذات الشغف في التطوير والتمكين ولكن من منصات مختلفة.
واليوم، ونحن نشهد هذا التمكين الكبير للمتحدثين والقفزات النوعية في الأداء، نؤمن يقينًا بأن “الخَطابة” ليست مجرد وقوف على المسرح، بل هي أداة لصناعة أثر فارق وحقيقي في المجتمع. ومن هذا المنطلق، نرى أن الوقت قد حان لتجديد العهد، ولكن بلغة تطويرية مختلفة تواكب العصر وأدواته الناشئة.
إن التطلع القادم لا يقف عند حدود الإعجاب بالتطور الحالي، بل يمتد لصياغة مستقبل أكثر رحابة من خلال بناء شراكة استراتيجية مرتقبة بين “التوستماسترز الدولي” و”حاضنة مأمني”، لدمج مهارات التواصل القيادي بريادة الأعمال الإبداعية. نحن لا نريد للخطاب أن يظل تقليديًا، بل نسعى لتوظيف التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي والأتمتة في تمكين جيل مبدع يمتلك الكلمة والمشروع معًا.
إنها دعوة لتجديد العهد مع الكلمة المؤثرة، لنعبر نحو أبعاد جديدة تُصنع فيها الفوارق الحقيقية، ونؤكد من خلالها أننا سنظل دائمًا داعمين، ملهِمين، وممكِّنين لكل فكرة تصنع الأثر.