Screenshot

“الصورية” هي الثمرة الحتمية للسيولة

عندما أصدر عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان كتابه الأيقوني “الحداثة السائلة” في مطلع الألفية، كان يحذر من عالم تذوب فيه كل المواد الصلبة؛ حيث الروابط الاجتماعية، والوظائف، والهويات، والقيم، لم تعد قوية بما يكفي لتصمد في وجه التغيير السريع والاستهلاك المتسارع. لكن، لو كان باومان حياً بيننا اليوم، للاحظ أن السيولة لم تكن المحطة الأخيرة في مسيرة الحداثة، بل كانت مجرد تمهيد ومرحلة انتقالية لعصر أكثر راديكالية: عصر “الصورية” المطلقة.

إن “الصورية” ليست مجرد اهتمام عابر بالمظاهر، بل هي الثمرة الحتمية والمنطقية والوحيدة للسيولة. فعندما يذوب الجوهر الصلب للأشياء، ولا يعود هناك أرضية صلبة يقف عليها الإنسان، يجد نفسه محاطاً بفراغ وجودي مخيف. وفي محاولة بائسة لملء هذا الفراغ والهروب من الغرق في بحر السيولة، لم يجد الإنسان المعاصر سوى “الصورة” ليتمسك بها كقشرة تطفو على السطح، مانحةً إياه إحساساً زائفاً بالوجود والاستقرار.

يتجلى هذا التحول الحتمي في بنية حياتنا المعاصرة عبر مستويات عدة:

أولاً: من “أنا أفكر” إلى “أنا أظهر”

في العصر السائل، تحول الإنسان إلى مستهلك يبحث عن المتعة السريعة. أما في العصر الصوري، فقد تحول الإنسان نفسه إلى “سلعة ومعروض”. لم يعد المعيار المعاصر للوجود هو الأداء أو الأثر، بل “اللقطة”. نحن لا نسافر لنكتشف العالم أو ذواتنا، بل لنلتقط صورا بخلفيات سياحية ناصعة. ونحن لا نتناول وجبة طعام لنستمتع بمذاقها أو لنجلس مع العائلة، بل لنرفع صور الطبق على منصات التواصل الاجتماعي. لقد التهمت الصورة الواقع، وأصبح الشيء غير المصوّر كأنه لم يحدث قط. الوجود الإنساني تم اختزاله بالكامل في مظهر خارجي (Image) يُعرض للآخرين طلباً للاعتراف الرقمي.

ثانياً: الروابط السائلة التي تحولت إلى خيالات صورية

تحدث باومان عن “الحب السائل” كعلاقات هشة يسهل التخلص منها عند أول بادرة ملل. اليوم، تجاوزنا الهشاشة إلى “الافتراض الصوري التام”. الصداقة تحولت من التزام ومشاركة إلى “متابعة” (Follow)، والتعاطف الإنساني العميق تم اختصاره في ضغطة زر أو “إعجاب” (Like)، والحب أصبح مجرد تمرير سريع للشاشات (Swipe) بناءً على تقييم صوري خاطف للوجه. نحن نعيش في مفارقة مرعبة: نمتلك آلاف “الأصدقاء الصوريين” في الفضاء الرقمي، لكننا نغرق في وحدة قاتلة وجفاف عاطفي تام بمجرد إغلاق الشاشة.

ثالثاً: الثقافة والقشور المعرفية

في عالم سائل يكره الصبر والعمق، لم يعد هناك متسع لقراءة المجلدات الضخمة أو خوض النقاشات الفلسفية المعقدة. هنا ولدت “الثقافة الصورية”؛ حيث يكتفي الإنسان باقتباسات بصرية سريعة، أو مقاطع فيديو قصيرة (Shorts/Reels) مدتها ثلاثون ثانية تمنحه “شعوراً صورياً زائفاً” بالمعرفة والذكاء دون أن يبذل أي جهد فكري حقيقي. لقد أزيح “المثقف الموسوعي” ليحل محله “المؤثر الرقمي” الذي لا يملك عمقاً معرفياً، ولكنه يملك صورة المثقف، نبرة صوته، وزاوية تصوير ملفتة.

رابعاً: الفضيلة الاستعراضية والأخلاق الصورية

حتى القضايا الأخلاقية والإنسانية العادلة لم تسلم من مقصلة الصورية. فالتضامن مع المظلومين أو الدفاع عن الأرض والبيئة لم يعد يتطلب تضحية بالوقت أو النزول إلى الميدان؛ بل أصبح يتطلب تغيير الصورة الشخصية للحساب أو كتابة وسم (Hashtag) رائج. تحولت الأخلاق من قيمة باطنية تحرك سلوك الفرد إلى أداة استعراضية (Virtue Signaling) هدفها تحسين “الصورة الذهنية” للشخص أمام القطيع الرقمي، والبرهنة على أنه ينتمي إلى جبهة “الأخيار”.

خامساً: تزييف الواقع بالذكاء الاصطناعي

تصل الصورية إلى ذروتها المرعبة اليوم مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالآلة الآن قادرة على توليد صور، وفيديوهات، ونصوص، وشخصيات كاملة لا وجود لها في الواقع المادي. لقد انسلخت الصورة تماماً عن أصلها الواقعي، وأصبحنا نعيش في “المحاكاة الفائقة” التي تنبأ بها الفيلسوف جان بودريار؛ عالم أصبحت فيه الصور المزيفة أكثر جاذبية وإقناعاً من الواقع الحقيقي الباهت.

خاتمة

إن “الصورية” هي النتيجة الطبيعية لعالم رفض الثبات وظن أن الحرية تكمن في إذابة كل شيء. عندما تذوب القيم والمؤسسات والروابط، لا يتبقى في الفضاء سوى أشباح الصور اللامعة التي تطفو على السطح لتوهمنا بأننا ما زلنا على قيد الحياة. إن مواجهة هذا العصر الصوري لا تكون بالانقياد خلف تيار الاستعراض الرقمي، بل بشجاعة البحث عن “الصلابة” مجدداً؛ بالعودة إلى المعنى العميق، إلى العلاقات المادية الحقيقية، وإلى صناعة الأثر الحقيقي في الواقع بعيداً عن بريق الشاشات الخادع.

شاهد أيضاً

من الاونلاين الى الاونشين

بقلم وديع بنجابي العبور من مرحلة “الأونلاين” (الإنترنت التقليدي/الممركّز) إلى مرحلة “الأونشين” (الأنظمة المشفرة والموزعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *