الدعوة إلى الخير وإرشاد الناس هي وظيفة الأنبياء والمرسلين، وهي من أعظم المقامات وأشرفها. لكن هذا الطريق محفوف باختبارات خفية، لعل أشدها خفاءً وصعوبة هو تجاوز “حظوظ النفس”. في زمن تداخلت فيه المقاصد مع بريق الشهرة ومنصات التأثير، باتت الحاجة ماسة لتمييز الخط الفاصل بين من يجعل نفسه جسراً ليعبر الناس من خلاله إلى ربهم، ومن يجعل رسالته سُلّماً ليصل به إلى مكانةٍ في قلوب الناس.
الفارق الدقيق: بين الإخلاص والذات
الداعية الحقيقي هو الذي يذوب في رسالته وتصغر نفسه أمام عظمة ما يحمله، بينما الداعية لنفسه هو الذي يُطوّع الرسالة لتخدم صورته وحضوره. ويمكن إدراك هذا الفارق الجوهري عبر عدة علامات:
- التعلق بالخالق لا بالمخلوق: من يدعو إلى الله يحرص على ربط قلوب الناس بالقرآن والسنة الثابتة، فإذا غاب أو رحل، بقي الناس على ثباتهم ويقينهم. أما من يدعو لنفسه، فيربط الأتباع بشخصيته وأسلوبه، فإذا زلّت قدمه، اهتزت مبادئهم.
- الفرح بظهور الحق: المخلص يفرح إذا ظهر الحق وانتشر الخير على لسان غيره، ولا يهمه من حصد الثناء والتقدير. أما المتمركز حول ذاته، فيضيق صدره إن برز سواه، وقد يتسلل إليه شعور خفي بالمنافسة.
- تقبل النقد والتوجيه: الداعية لله يرى في النصيحة الصادقة هديةً تُقوّم مساره وتنقذه من الزلل، بينما يرى الداعية لنفسه في النقد هجوماً شخصياً يمس كبرياءه ومكانته.
آفة العصر: الدعوة في زمن الأرقام
مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، تحولت بعض المنابر إلى ساحات لاستعراض الفصاحة، وبات مقياس النجاح لدى البعض مرتبطاً بعدد المتابعين وحجم التفاعل. هذا الانجراف نحو “لغة الأرقام” قد يسحب الإنسان، دون أن يشعر، من مربع الإخلاص إلى مربع إرضاء الجمهور. فيبدأ بانتقاء المواضيع التي تثير الجدل أو تحصد الإعجابات، متناسياً القاعدة الذهبية: ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
ثمرة الإخلاص: القبول والأثر الباقي
الكلمة التي تُبتغى بها وجه الله تمتلك نوراً خاصاً، وتُطرح فيها البركة حتى وإن كانت بسيطة العبارة. الأثر الحقيقي في الدعوة لا يُقاس بالضجيج اللحظي ولا بكثرة الحشود الملتفة، بل بما تتركه تلك الكلمات من تغيير عميق في النفوس، ومن استقامة حقيقية في السلوك الخفي قبل العلن. الكلمة الصادقة التي تخرج من القلب، تقع في القلب ولو لم يسمعها إلا شخص واحد.
تجديد العهد
نحن اليوم بأمس الحاجة إلى أصوات هادئة، صادقة، متجردة.. أصوات تُذكّرنا بالله عند رؤيتها، وتزيد في يقيننا عند سماع منطقها. فلنجدد نوايانا دائماً، ولنراقب قلوبنا في كل كلمة نكتبها، أو نصيحة نوجهها، أو منصة نديرها، لنجعلها خالصة لوجهه الكريم، بعيدة عن زخرف القول ومفاتن الظهور.