لقسم الفكر والفلسفة – صحيفة ومنصة محبي مكة
✍️ بقلم: نوار

في تلك الليلة، لم أعد أملك من يومي إلا وجه ابنتي الصغيرة وهي تنتظر وعدي القديم. كنت قد أخبرتها أنني سأقصّ عليها “أجمل قصة في العالم”… وانتظرت. لا شيء يعجّل بالليل مثل عيون تلمع بالشوق.
جلستُ إلى سريرها، أمسكت الكتاب الذي أعرفه عن ظهر قلب، وبدأت أقول لها:
“كان يا ما كان، في كوكب صغير، أمير صغير…”
وهنا فقط، اكتشفت أنني لا أحكي لها القصة… بل أحكيها لي.
الأمير الصغير: قصة للأطفال؟ أم تعويذة للناجين؟
ما الذي يجعلنا نؤمن أن قصة كتبت عام 1943، في زمن الحرب والموت والتيه، يمكن أن تبقى معنا حتى اليوم؟
لأنها، ببساطة، ليست قصة عن أمير صغير على كوكب بعيد… بل عنّا نحن.
عنّي أنا، حين لم أجد كيف أشرح لطفلتي أن الكبار لا يفهمون شيئًا، وأنهم ينسون بسرعة.
عنك، وأنت تقاوم أن تتحول إلى فطر لا يفعل شيئًا سوى أن “يعدّ” أيامه.
الوردة التي أحبها الأمير… ولم يعرف كيف
أخبرت ابنتي أن الأمير الصغير كان يحب وردة. وردة متطلبة، مغرورة، تتنهد وتشتكي.
ابتسمت طفلتي وقالت: “يعني كانت مشاغبة؟”
ضحكت. لم أستطع أن أشرح لها أنني أحببت وردة كهذه، وأنني، مثل الأمير، غادرت الكوكب لأني لم أفهم كيف أحب.
وأنني، مثل الأمير، لم أقدّر معنى وجودها إلا بعد أن رأيت مئات الورود الأخرى… بلا روح.

الخروف والفقد
سألتني ابنتي:
“لو أكل الخروف الزهرة، هل يموت الحب؟”
صمتُّ.
أدركت أن سانت إكزوبيري كان يعلم أن الأطفال لا يسألون عن المنطق… بل عن المعنى.
في الرواية، سؤال الخروف ليس بيولوجيًا… إنه وجودي.
هل يمكن لشيء بريء، غير مقصود، أن يهدم ما هو أثمن فينا؟
نعم. وفي معظم الأحيان، لا ينتبه أحد.
الرجل الذي يحصي النجوم
في فصل لاحق، أخبرتُ طفلتي عن رجل في كوكب بعيد، لا يفعل شيئًا سوى أن يعدّ النجوم. يملكها بالأرقام.
قالت بحماس: “يعني كان غنيًّا؟”
قلت لها: “ربما. لكنه لم يكن سعيدًا.”
لم أستطع أن أشرح لها أنني، أحيانًا، كنت هذا الرجل.
أحصي المشاريع، الإنجازات، الأرقام… ولا أشعر بالشيء الوحيد الذي كنت أبحث عنه: الدهشة.
الثعلب والترويض
حين ظهر الثعلب في القصة، شعرت أنني أقرأ عن صداقة لم أعشها، لكنني تمنيتها.
أن تروّض أحدًا يعني أن يصبح العالم مختلفًا بوجوده.
وأنك إن فقدته، يبقى العالم… مكسورًا، لكن أجمل.
النهاية التي ليست نهاية
حين سكت الأمير الصغير، وسمعنا النجوم تضحك، سألتني ابنتي:
“هل مات؟”
قلت: “ربما عاد إلى كوكبه.”
لكني لم أقل لها أن سانت إكزوبيري نفسه اختفى بعد كتابة هذه القصة بفترة قصيرة، حين تحطمت طائرته في البحر، ولم يُعثر على جثمانه أبدًا.
وكأن الأمير عاد إلى كوكبه فعلًا. وكأن الكاتب كان هو الأمير الصغير، تمامًا.
لماذا نحكي هذه القصص؟
لأننا لا نعرف كيف نقول أشياءنا مباشرة.
لأن هناك أمورًا أثقل من أن تُقال بصراحة… فتختبئ في قصص الأطفال.
أشياء مثل الحب، والخوف، والفقد، والندم… والهشاشة التي لا نملك إلا أن نرعاها في قلوبنا، كل صباح، مثلما كان الأمير ينزع أشجار الباوباب من كوكبه.

أنا فنان. ليس لأنني أرسم أو أكتب… بل لأني أهرب إلى الرموز كي لا أنكسر في الواقع.
وقصة الأمير الصغير ليست مجرد قصة لطفلتي. إنها الخريطة التي أبحث فيها عن نفسي، عن وردتي، عن خروفي، وعن النجمة التي ضحكت في قلبي مرة… وربما ما زالت هناك.
“جميع الكبار كانوا أطفالًا في ما مضى… ولكن القليل منهم يتذكر ذلك.”
لهذا السبب، أخبرت ابنتي أنني سأروي لها القصة الأجمل في العالم.
وهي صدّقتني.