يا من دبرت أمر يوسف واخرجته من غيابة الجب دبر أمورنا..

لا يكاد مسلم يقرأ سورة يوسف إلا ويقف مشدوهاً أمام عظمة التدبير الإلهي الذي حوّل قاع الجب المظلم إلى عتبة قصر عزيز مصر، ومن وحشة الغيابة إلى منزلة القيادة والحكم. إنَّ هذه القصة ليست مجرد حكاية ؛ بل هي مدرسة متكاملة في الثقة المطلقة بالله، ومحور ارتكاز نستمد منه اليوم دعاءنا: “يا من دبَّرتَ أمر يوسف… دبِّر لنا أمورنا، وأصلح لنا شأننا كله”.

“دبرت” إنَّ استحضار هذا اللفظ في الدعاء يحمل قوة إيمانية هائلة. فـ”تدبير الله” يعني أنَّ كل منعطف، وكل ألم، وكل محنة مر بها يوسف عليه السلام (من حلم الرؤيا، إلى حسد الإخوة، إلى رميه في البئر، إلى بيعه عبداً، إلى فتنة النسوة، إلى سنوات السجن) لم يكن عبثاً أو صدفة. بل كانت كلها خطوات مقدرة ومحسوبة ضمن خطة إلهية متكاملة، نهايتها الفرج والعزة.

وعندما ندعو: “دبِّر لنا أمورنا”، نحن في الحقيقة نسلّم مفاتيح قلقنا وخوفنا لمدبّر السماوات والأرض. هذا التسليم لا يعني التواكل، بل يعني الإيمان بأنَّ عقل الإنسان وخططه القاصرة لن تبلغ أبداً حكمة التدبير الإلهي، وأنَّ ما نراه شراً قد يكون في باطنه تمهيداً لخير عظيم، تماماً كما كان السجن تمهيداً لقيادة مصر.

“أصلح لنا شأننا كله”

الجميل في هذا الدعاء هو طلبه الشمول، فهو لا يقتصر على تفريج كرب محددة أو قضاء حاجة معينة. بل يتجاوز ذلك إلى طلب إصلاح الشأن كله.

إنَّ كلمة “الشأن” هنا واسعة، تشمل:

  1. الشأن الديني: صلاح القلب، والعبادة، والاستقامة.
  2. الشأن الدنيوي: الرزق، العمل، الصحة، الأهل.
  3. الشأن المستقبلي: المآل، والحسن الختام، والرضا.

هذا الدعاء يعكس معرفة عميقة بحال الإنسان الذي قد تراه سليماً ظاهراً بينما يعاني من خلل داخلي أو تقصير خفي. نطلب من الله أن يُديم علينا فضله وعنايته حتى لا يبقى في حياتنا مسار معوج إلا قوّمه، ولا حاجة معسّرة إلا قضاها، ولا همٌّ ثقيل إلا فرّجه.

الختام بالرضا وحسن المآل

ينتهي الدعاء بطلب كريم جامع: “وتوفنا وأنت راض عنا”. وهذا هو غاية الآمال. فما قيمة النجاح الدنيوي إن لم يكلل برضا الخالق؟ إنَّ التوفيق في الحياة هو أن يجد العبد عند اللحظات الأخيرة أنَّ تدبير الله لأمره كله كان خيراً، وأنَّ الختام كان مرضياً.

لنردد هذا الدعاء بيقين، مستحضرين قصة يوسف في كل مرّة نشعر فيها بضيق، ولنتذكر أنَّ تدبير الله خفيٌ لطيفٌ لكنه نافذٌ عظيمٌ. هو وحده القادر على أن يخرجنا من وحشة الظلمات إلى النور، ومن ضيق الكرب إلى سعة الفرج، برحمته التي وسعت كل شيء.

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    صورة الملف الشخصي

    شاهد أيضاً

    جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ تنظم (المسابقة القرآنية الرمضانية)

    منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي :المدينة المنورة:- ‏تنظم ⁧‫جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ (المسابقة القرآنية الرمضانية) …