بقلم عزّوز
مدير الأشخاص والثقافة – سلسلة مطاعم روسترز
في روسترز، نرى يومياً كيف تتطور المنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs) في السعودية، وكيف تحمل طموحاً كبيراً لتكون جزءاً من التحول الاقتصادي الوطني. لكننا نرى أيضاً فجوة ثقافية وإجرائية عميقة تمنع معظم هذه المنشآت من تفعيل مؤشرات الأداء (KPIs) كأداة فعّالة للتحول من ثقافة “إطفاء الحرائق” إلى ثقافة التخطيط والقياس والنتيجة.
هذه الفجوة لا تتعلق بالقدرات الفنية، ولا تتطلب أنظمة باهظة. جذورها ثقافية بالدرجة الأولى. ويمكن تلخيصها في ثلاثة محاور:
1) 🤯 الفجوة الاستراتيجية (The Strategic Gap)
عندما تُدار المنشأة بغريزة الاستمرار… وليس ببوصلة النمو
أكبر عائق أمام تفعيل KPIs هو أن الثقافة السائدة في معظم المنشآت الصغيرة تنطلق من سؤال واحد:
“كيف ننهي عمل اليوم؟”
وليس: “إلى أين نريد أن نصل هذا العام؟”
ماذا يحدث نتيجة ذلك؟
- التركيز على البقاء لا النمو:
الإدارة تصبح مشغولة بالتشغيل اليومي، بالطلبات، بالفواتير، وبحل المشكلات العاجلة. في هذا السياق، يُنظر إلى الوقت المخصص للقياس والتخطيط كأنه “ترف إداري” أو “اجتماعات لا تضيف شيئاً”. - ربط القياس بالعقاب:
بمجرد سماع كلمة KPI، يتبادر للموظفين:
“من سيحاسَب؟”
وليس:
“ماذا سنتعلم؟”
في مثل هذه البيئة، أي محاولة للقياس تُواجَه بمقاومة صامتة لأنها تُفهم كسيف مسلط على الرقاب.
2) ⏳ الفجوة المعرفية في البيانات (The Data Gap)
الحدس يقود… والبيانات غائبة
أعرف منشآت لديها أفضل نوايا للنمو لكنها تتخذ أغلب قراراتها بناءً على “الشعور الداخلي” أو خبرة المالك، وليس بناءً على بيانات.
أبرز المظاهر:
- الاعتماد على الحدس:
القرار يُتخذ لأن “المدير يشعر أنه الأنسب”، وليس لأنه مدعوم بتحليل واضح أو مؤشرات دقيقة. - بيانات موجودة… لكن غير مترابطة:
لدى بعض المنشآت أرقام يومية: المبيعات، المصروفات، حركة العملاء… لكنها مبعثرة، وغير موحدة، ولا تُستخدم لتوصيل سؤال بسيط جداً:
هل نسير نحو هدفنا الاستراتيجي؟
بدون ثقافة بيانات، يصبح الـ KPI مجرد رقم على ورقة وليس أداة لتغيير الواقع.
3) 📉 الفجوة الهيكلية (The Structural Gap)
لدينا نية القياس… لكن ليس لدينا نظام قياس
حتى عندما تكون الرغبة في القياس موجودة، تبقى المنشآت محاصرة بثلاث مشكلات:
1) “القياس من أجل القياس”
تُختار مؤشرات الأداء بطريقة عشوائية أو تقليدية:
عدد العملاء، عدد الفروع، عدد الشكاوى…
لكن لا أحد يسأل:
لماذا نقيسه؟ وما علاقته باستراتيجيتنا أو بالرؤية الوطنية؟
2) غياب المراجعة الدورية
تُقاس المؤشرات مرة كل سنة أو كل ربع سنة، ثم تُحفظ التقارير في البريد الإلكتروني…
ولا شيء يتغير في أرض الواقع.
3) افتراض أن KPIs = أنظمة معقدة
كثير من أصحاب الأعمال يظنون أن تطبيق KPIs يحتاج نظام ERP ضخم أو منصة ذكاء اصطناعي معقدة، فيتجنبون العملية بالكامل.
بينما الحقيقة:
أول KPI يمكن أن يبدأ في ملف Excel واحد.
🔑 كيف نتجاوز هذه الفجوة؟
من منظور مدير الأشخاص والثقافة في روسترز
إذا أرادت المنشآت الصغيرة أن تنتقل من “رد الفعل” إلى “التخطيط والقياس”، فالحل يبدأ بثلاثة تحولات ثقافية بسيطة:
1) تبسيط القياس
ابدأ بـ 3 مؤشرات فقط:
- مؤشر للنمو
- مؤشر للكفاءة
- مؤشر للعميل
كل شيء آخر يأتي لاحقاً.
2) فصل القياس عن العقاب
اجعل الـ KPI أداة تعلم، لا أداة تهديد.
إذا تحسن الرقم → هذا نجاح جماعي
إذا تراجع الرقم → هذا درس، لا عقوبة
3) ربط المؤشرات بالهدف الأكبر
على كل مؤشر أن يجيب على سؤال واحد:
كيف يساعدني هذا الرقم على خلق قيمة… والمساهمة في الرؤية الوطنية؟
عندما يعرف الموظف “لماذا نقيس” وليس فقط “ماذا نقيس”، يبدأ التحول الثقافي الحقيقي.
الخلاصة: KPIs ليست أرقاماً
إنها تغيير ثقافي يبدأ من طريقة تفكير القيادة
الفجوة ليست في البيانات ولا في التكنولوجيا، بل في الثقافة.
وحين تُغلق هذه الفجوة، تصبح المنشأة الصغيرة قادرة على النمو، وعلى التحول من مؤسسة تبحث عن النجاة… إلى مؤسسة تبني المستقبل.