في خضم التحديات التي تعترض سبيلنا، والابتلاءات التي قد تباغت الروح فتُثقلها، يلوح في الأفق وميض حكمة بالغة تلخص فلسفة التسليم والرضا الحقيقيين. هي عبارة لاذعة، قالها أحد الصالحين كلما مر به بلاء، فانتشله من قاع الجزع إلى سماء السكينة: “مالكٌ يتصرَّفُ في أملاكهِ، وحَكيمٌ لا يَفعلُ شيئََا عبثََا”.
هذه الجملة ليست مجرد كلمات تُقال؛ إنها منهاج حياة، ورؤية كونية تمنح الفرد درعاً حصيناً ضد الخوف والقلق.
أولاً: مالك يتصرف في أملاكه
إن الجزء الأول من العبارة يضعنا مباشرة أمام حقيقة جوهرية: الملكية المطلقة. عندما يستوعب الإنسان – بكل كيانه – أنه ومصيره وكل ما يحيط به ليس ملكاً خالصاً له، بل هو أمانة مستودعة وخاضعة لتصرف المالك الحقيقي، ينتقل من خانة الاعتراض إلى خانة التسليم.
إننا أحياناً نغفل عن كوننا جزءاً من ملك عظيم متكامل. حين يصيبنا الضر، نظن أن هذا الضر مفسد لأملاكنا الخاصة، بينما الحقيقة أن المبتلى به والمُبتلي كلاهما ملك لمالك واحد. فإذا شاء المالك أن يغير ترتيب أثاثه، أو يختبر متانة بنائه، فمن نحن لنسأله: لمَ فعلت؟ هذا الإدراك يسحب من القلب غريزة التمرد والجزع، ليحل محلها الشعور بالاطمئنان تحت رعاية المالك المدبر.
ثانياً: وحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً
أما الشق الثاني من العبارة فهو الذي يبعث الأمل وينير البصيرة: “وحَكيمٌ لا يَفعلُ شيئََا عبثََا”. هذا التأكيد يرفع الابتلاء من مجرد مصيبة عابرة إلى مدرسة تربوية ذات هدف.
لا يوجد في سجل هذا الكون الواسع، وما يحدث فيه من خير وشر، صدفة أو فعل لا طائل منه. إن الألم، الفقد، الفشل، أو المرض، ليست حوادث عشوائية، بل هي أجزاء متناهية الدقة في لوحة أكبر لا نرى منها إلا قدراً محدوداً.
الحكمة الكامنة في البلاء قد تكون:
- تطهيراً للروح: يمحو الذنوب ويهذب النفس.
- رفعاً للدرجات: يمنح الإنسان مقامات لم يكن ليبلغها لولا الصبر والرضا.
- كشفاً للبصيرة: يعيد ترتيب الأولويات ويذكر بقيمة النعم المنسية.
- إيقاظاً للقلب: يدفع للعودة إلى الملاذ الآمن واللجوء إليه.

عندما نُسلم بأن كل حركة وسكون تقع وفقاً لحكمة بالغة، فإننا لا نضيع وقتنا في التساؤل السلبي: “لماذا أنا؟”، بل نبدأ البحث الإيجابي عن: “ماذا يُراد مني أن أتعلم؟”.
إن هذه العبارة هي اختصار لمعنى الإيمان في أسمى صوره؛ إنها تقودنا إلى محطة الرضا، حيث لا يمكن للجزع أن يجد موطئ قدم. هي دعوة إلى الثقة المطلقة في التدبير الإلهي.
فلنجعلها شعارنا في كل ضيق: أنا لست مالك نفسي، ولن يصيبني إلا ما كان مقدراً بحكمة. فبهذا الاعتقاد، يتحول البلاء من ثقل جاثم إلى وقود روحي يدفعنا إلى الأمام، مطمئنين بأن العاقبة للمتقين الصابرين.