قدر لا صدفة، لا أؤمن بالصدفة.

في خضم التحديات المتزايدة وسرعة الأحداث التي نعيشها، كثيرًا ما يتسلل إلى الأذهان مفهوم “الصدفة” أو “الحظ” لتفسير ما يقع خارج دائرة التوقعات المباشرة. ولكن بالنسبة للمؤمن، فإن هذا المفهوم يتبدد تمامًا أمام ركيزة إيمانية راسخة: الإيمان بالقضاء والقدر. هذا الركن العظيم ليس مجرد قناعة نظرية، بل هو منهج حياة يفسر الوجود بأكمله وينفي تمامًا فكرة العشوائية المطلقة. إن الإيمان بأن “قدر لا صدفة” ينطلق من صميم عقيدة التوحيد، حيث إن الإقرار بوحدانية الخالق يستلزم الإقرار بكمال علمه وقدرته وإرادته. فالله سبحانه وتعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وكل ما يقع في الكون، من حركات الأفلاك إلى سكون الأوراق، إنما هو بتقدير محكم وعلم سابق أزلي.

إن الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، هو في حقيقته إيمان بترتيب إلهي لا يخطئ. فما نراه نحن “صدفةً سعيدة” أو “عثرةً مفاجئة” ليس في الحقيقة إلا حلقة وصل مفقودة في سلسلة الأسباب والنتائج التي لا يحيط بعلمها إلا الخالق. ولهذا، فإن العقل المؤمن لا يجد متسعًا لمفهوم “المصادفة” كمسبب أخير للأحداث، بل يراها مجرد تسمية بشرية لشيء جُهل سببه الحقيقي أو تقديره الإلهي.

قد يخلط البعض بين هذا اليقين وبين مفهوم “الجبر”، ظنًا منهم أن القدر يلغي الإرادة البشرية. وفي الحقيقة، تتجلى عظمة العقيدة في الموازنة الدقيقة بينهما. فبينما أن التقدير والكتابة أمران سابقان لله وحده، فإن الإنسان مطالب بالكسب والسعي والاختيار. القدر هو علم الله السابق بالنتائج النهائية، ولكنه لا يلغي اختيار الإنسان للطريق الذي يسلكه. إن هذا اليقين بأن “قدر لا صدفة” هو ما يدفع المؤمن إلى الأخذ بأقصى الأسباب، لأن الأسباب نفسها جزء من القدر. فلا يستقيم التوكل إلا ببذل الجهد؛ فالزارع يزرع ويحسن الرعاية مع يقينه بأن الرزق والإنبات هو قدر من الله. هذا الفهم المغاير يمنح المؤمن الطاقة للعمل، ويخلصه من شلل التواكل.

إن الثمرة الأعظم لهذا الإيمان هي السكينة القلبية والرضا التام. عندما يوقن الإنسان بأن كل ما يقع له هو خير له في نهاية المطاف، حتى لو بدا شرًا في ظاهره، فإنه يتحرر من القلق والجزع. ففي السراء، يعرف المؤمن أن هذا الفضل هو من الله وليس بذكائه أو حظه فقط، فيكون شاكرًا. وفي الضراء، يعرف المؤمن أن هذا الابتلاء مقدر ومحسوب، فإما أن يكفر ذنبًا أو يرفع درجة، فيكون صابرًا ومحتسبًا. وهذا ما يلغي القلق الوجودي الذي يعتري من يؤمنون بالعشوائية، حيث يصبح العالم بالنسبة للمؤمن مكانًا محكومًا بالحكمة، لا بالعبث. لذا، فإن مقولة “قدر لا صدفة” ليست مجرد شعار، بل هي بوصلة توجه القلب والعقل والسلوك نحو التوكل الصادق والعمل الجاد تحت مظلة اليقين المطلق.

شاهد أيضاً

جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ تنظم (المسابقة القرآنية الرمضانية)

منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي :المدينة المنورة:- ‏تنظم ⁧‫جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ (المسابقة القرآنية الرمضانية) …