لم تجُد بالخير أيديهم… فجادت بالحسرة أعينهم

​في ميزان الإيثار: دمعة العاجز عن العطاء شهادة صدق تفوق الإنفاق.


​هناك صور إنسانية، رغم أنها وُصفت في سياق تاريخي محدد، إلا أنها تبقى خالدة عبر الأزمان، تختزل أعمق معاني الوجدان. ومن أصدق تلك الصور، وأكثرها إيلاماً وسمواً، تلك التي رسمها القرآن الكريم في وصف حال فئة من المسلمين حين جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه وسيلة للخروج معه في الجهاد، فلم يجدوا.
​تلك اللحظة، التي سُجلت بقوله تعالى: “تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمع حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ” (التوبة: 92)، تصف مشهداً مؤثراً. فبينما كانت أيدي هؤلاء الرجال عاجزة عن تقديم زادٍ أو راحلة تبلغهم أرض المعركة، أبت قلوبهم إلا أن تقدم زاداً من نوع آخر: الحسرة الصادقة. فلم تجُد بالخير أيديهم، فجادت بالحسرة أعينهم.
​إنّ دموع هؤلاء الرجال ليست دموع ضعف، ولا هي دموع حزن على أمر شخصي؛ بل هي دمعة التضحية المُجهضة. فالبخيل هو من يملك المال ويضن به، فيفرح بحجج الأعذار التي تريحه من الإنفاق. أما هؤلاء، فكانت أرواحهم تحترق رغبة في البذل والعطاء والمشاركة في الفضل العظيم، لكنهم مُنعوا بالفقر لا بالبخل. لقد قدموا أثمن ما يملكون تعبيراً عن صدق نيتهم؛ أنفقوا من معدن قلوبهم. فهل هناك إنفاق أصدق وأغلى من أن تنفَق الروح حزناً على فوات فرصة الخير؟ هذه الدموع كانت شهادة إقرار منهم بأن خير ما يتمنى المرء أن يجود به هو دمه وماله في سبيل مبدأ نبيل.
​وفي ميزان البشر، تُقاس الأمور غالباً بما هو ملموس ومحسوب، فالعطاء يُقاس بحجم الصدقة. لكن في ميزان السماء، تسقط القيمة المادية أمام صدق النوايا. إنّ الله عز وجل، وهو العليم بمكنونات الصدور، لم يعتبر عجز هؤلاء إثماً، بل اعتبر حسرتهم إيماناً. لذلك جاءت تتمة الآية التي ترفع عنهم الحرج: “مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ”. لقد أثبتت هذه القصة قاعدة إيمانية كبرى: النية الصادقة تتجاوز قيمة المال. فمن نوى الخير بصدق، ولم يجد إليه سبيلاً إلا دمع عينه، فقد بلغ بدمعته مرتبة العطاء، وكتب له الأجر كاملاً، كأنه قد أنفق.
​إنّ هذا المعنى ليس حبيس التاريخ، بل هو يتجدد في صور العجز النبيل التي نعيشها اليوم. فهو يظهر في صورة العاجز عن الإعانة، ذلك الإنسان الذي يرى بؤس أخيه ولا يملك قوت يومه، فتتكسر روحه حسرة على عدم قدرته على سد الحاجة. ويظهر في صورة الممنوع بالظروف، كالشاب الذي تحول ظروفه المادية أو الصحية بينه وبين بر والديه بما يليق، فلا يملك سوى دعوة صادقة وكلمة طيبة. كما يظهر في المتألم بصمت، وهو من يريد أن يقدم جهده ووقته لخدمة مجتمعه لكن الظروف خارجة عن إرادته تحول دون ذلك، فيتألم على “فوات فرص الخير”. هؤلاء جميعاً، لم تجد أيديهم، فجادت أعينهم. ودموعهم شهادة صدق بأن قلوبهم مليئة بالخير، وأن العائق كان قدرياً لا إرادياً.
​في النهاية، ينبغي أن ندرك أن العطاء ليس محصوراً بالدينار والدرهم. بل هو فعل قلبي يبدأ بالإرادة. فلا تقل: لا أملك ما أنفق. بل سل قلبك: هل تملك من الحسرة الصادقة ما يوازي في ثقله عطاء المنفقين؟ حين يتألم قلبك لفوات فرصة عمل الخير، وتفيض عينك لفقر الوسيلة، فأنت على طريق أولئك الذين تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. وهذه الحسرة هي أرقى أنواع الإنفاق المعنوي، وهي برهان الحب الصادق للخير وأهله.

شاهد أيضاً

جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ تنظم (المسابقة القرآنية الرمضانية)

منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي :المدينة المنورة:- ‏تنظم ⁧‫جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ (المسابقة القرآنية الرمضانية) …