يعد القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية أحد الركائز الأساسية التي توليها القيادة الرشيدة اهتماماً بالغاً، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله. ومع التوسع الكبير في أدوار هذه الجمعيات، برزت الحاجة الملحة للانتقال من نموذج “الرعاية” القائم على التبرعات الموسمية إلى نموذج “التمكين” القائم على الاستدامة والاحترافية المالية.
خارطة التمويل الحالية: التبرعات والدعم الحكومي في المقدمة
تُظهر الدراسات الحديثة أن هيكل التمويل للجمعيات يتوزع على عدة روافد أساسية، حيث تشكل التبرعات النقدية النسبة الأكبر بنحو 30%، يليها الدعم الحكومي المباشر بنسبة 27%. وتأتي بقية المصادر موزعة بين الزكاة (11%)، والتبرعات العينية، بالإضافة إلى مصادر أخرى متنوعة.
ملاحظة: يعكس حجم الدعم الحكومي (27%) الثقة الكبيرة التي توليها الدولة للقطاع غير الربحي كشريك في التنمية الوطنية وتحقيق مستهدفات الرؤية.
صناديق الاستثمار الوقفية: قفزة نحو المستقبل
من أهم التحولات التي كشفت عنها المقارنات الفنية هو الفرق الجوهري بين الأوقاف التقليدية وصناديق الاستثمار الوقفية. فبينما كانت الأوقاف التقليدية تعتمد على أصول ثابتة قد تتعرض للهلاك أو تضعف عوائدها، جاءت الصناديق الوقفية لتقدم حلاً عصرياً يتسم بـ:
- الحوكمة العالية: إشراف مباشر من جهات رسمية (هيئة السوق المالية وهيئة الأوقاف).
- المرونة والاستدامة: استثمارات متنوعة تهدف لتقليل المخاطر والمحافظة على رأس المال.
- الإدارة الاحترافية: تدار من قبل شركات استثمارية متخصصة بخبرات عالمية، بدلاً من الإدارة الفردية المحدودة.
- سهولة المساهمة: إتاحة الفرصة للجميع للمشاركة بمبالغ يسيرة، مما يحول الوقف إلى عمل مؤسسي جماعي.
التحديات والفرص في التكاليف التشغيلية
تشير الإحصائيات إلى تباين واضح في كفاءة الإنفاق؛ ففي الوقت الذي تصل فيه نسبة التشغيل في الأوقاف التقليدية إلى 2.5% أو أكثر، تنخفض هذه النسبة في الصناديق الاستثمارية إلى أقل من 1%. هذا التوفير يصب مباشرة في مصلحة المستفيدين النهائيين ويزيد من أثر الريال الواحد المنفق في أوجه الخير.
إن الجمعيات التي تطمح للريادة اليوم هي التي تسعى لتنويع محفظتها المالية، والتوجه نحو الصناديق الوقفية لضمان تدفقات مالية مستمرة لا تتأثر بالمتغيرات الاقتصادية. بفضل توجيهات ولاة الامر حفظهم الله أصبح الطريق ممهداً أمام القطاع الثالث ليكون مساهماً فاعلاً بنسبة 5% في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.