🐓 حوار مع الديك عند شروق العالم الصغير

ضمن الانشطة الطلابية للشراكة المجتمعية بين مزرعة العالم الصغير و مكتب التعليم بخليص

بقلم مازن الأسمر

كان الفجر يتسلّل بخطواتٍ خفيفة نحو المزرعة.

نسيمٌ بارد يحمل رائحة التراب الرطب، وصوتٌ مألوف بدأ يتشكل من بعيد — صوت الديك الذي يصيح كل يوم، وكأنه لا يملّ من إعلان البداية.

جلست قرب شجرة الجوجوبا الصغيرة، أتأمل ضوء الشمس حين يلامس السور الطيني، وأنا أحتسي قهوتي. شعرت برغبة غير مألوفة في مراقبة الديك عن قرب. كانت حركته هذه المرة أبطأ، وكأنه يتأهب لقول شيء أكبر من الصياح.

وفجأة سمعت صوته، هذه المرة ليس صياحًا… بل كلامًا.

🐓 الديك:

أراك صامتًا أكثر من العادة، يا صاحب المزرعة ويا راعي الفكرة.

هل أفقدتك الأيام صوتك؟ الذي طالما ألهمني لأصيح بإخلاص؟

🌿 مازن:

بل كثرة الأصوات من حولي هي ما جعلتني ألوذ بالصمت.

كل شيء يتكلم الآن — الشاشات، الإعلانات، الحسابات… حتى الضوء له إشعارات.

صرت أبحث عن مساحة لا يطالبني فيها أحد بالكلام. مساحة للإنصات لا للإجابة.

🐓 الديك:

أليس الغناء شكلًا من أشكال الكلام؟

أنت الذي جعلت لي مكانًا في المزرعة لأن صوتي يعلن الحياة. (يُحرك رأسه بهدوء) أفلا تخاف أن يصمت الإنسان الذي علّمني أن الفن هو نَفَس الوجود؟

🌿 مازن:

أخاف يا صديقي، أخاف كثيرًا.

أخاف أن نفقد بوصلة المعنى وسط انشغالنا بالبناء، أن نصبح ناجحين في كل شيء إلا أن نكون أنفسنا.

نصنع مشاريع تشبه الحلم، لكننا أحيانًا ننسى أن نحلم ونحن نصنعها.

🐓 الديك:

ولماذا تبني إذًا؟ لماذا تضع تلك الأحجار وتحرث هذا التراب؟

هل من أجل البقاء، أم من أجل الضوء؟

🌿 مازن:

من أجل الضوء.

لكن الضوء غالٍ، والفواتير كثيرة.

أحيانًا أحلم أن نعيش مثل البذور: بسيطة، تؤمن أن الشمس ستأتي دون أن تحسب كم ساعة تأخرت.

🐓 الديك:

أنت لا تُفلس حين تقل الأموال، بل حين يقلّ الإيمان.

الثراء ليس في الخزائن، بل في أن تظل قادرًا على أن تُنبت الجمال ولو في أرضٍ يابسة.

🌿 مازن:

لكن قل لي يا ديك، ما معنى أن نستمر؟

هل يكفي أن نزرع؟ أن نُقدّم فنًا؟ أن ندعم شبابًا يبحثون عن طريقهم؟

هل هذا يُنقذنا من العدم؟

🐓 الديك:

العدم لا يُهزم بالمال، بل بالمعنى.

كل مرة تمنح فيها إنسانًا فرصة ليُبدع، تضع حجرًا في جدار ضد النسيان.

أليست هذه مهمتك الحقيقية؟ أن تجعل الوجود أكثر وعيًا بنفسه؟

سكتّ. ارتشفت رشفة باردة من قهوتي وأنا أتأمل ريشه اللامع.

كانت الشمس قد اكتملت في السماء، والديك عاد إلى صياحه المعتاد،

لكن صوته هذه المرة كان يحمل شيئًا مختلفًا —

كأنه يُغنّي من أجلي، لا للعالم.

نظرت نحو المزرعة، نحو الأشجار، نحو المساحة الصغيرة التي صارت مسرحًا للأمل.

وأدركت أن الوجود كله ربما يبدأ من مكانٍ كهذا —

من سؤالٍ، من صوتٍ، من لحظةٍ صادقة بين إنسانٍ وديكٍ يعرف معنى النور.

ربما لم نُخلق لنفهم الوجود كله،

بل لنحرس لحظة الشروق حين تأتي.

لأن من يستطيع أن يحتفل بالشمس كل يوم،

لن يخاف من العتمة أبدًا.

شاهد أيضاً

دار شجن تتميز في مركاز البلد الامين

بقلم: سعود محمد – مدير عام حاضنة مأمني الإبداعية منذ انطلاق النسخة الأولى من مركاز …

تعليق واحد

  1. هل الفن مهارة… أم طريقة تنفّس؟
    إن كان نَفَسًا، فهو لا يُتعلَّم بالتلقين، بل بالعدوى. نلتقطه من إنسان يعيش الفن قبل أن يشرحه.

    هل المعلّم هنا فنان؟
    أحيانًا لا.
    قد يكون مزارعًا يفهم الإيقاع،
    أو طاهيًا يحترم النار،
    أو شيخًا يعرف متى يصمت،
    أو طفلًا لم يُفسد بعد.

    هل هو شخص أم لحظة؟
    بعض البشر يعلّمونك لأنهم مرّوا في حياتك في توقيت صحيح.
    كأن الوجود قال: الآن… انتبه.

    وهل الفن نتيجة أم شرط؟
    إذا كان الفن نَفَس الوجود،
    فغيابه ليس قبحًا فقط، بل اختناقًا.
    مجتمعات بلا فن = مجتمعات تتنفس صناعيًا.

    هنا يتقاطع السؤال مع روسترز دون أن يستأذن:
    روسترز لا يعلّم الفن كدرس،
    بل يذكّر بأن الانتباه نفسه فعل فني.
    أن تحرث، تطبخ، تكتب، تبني، وتفكّر بإيقاع… هذا فن.

    السؤال إذًا يتشعّب:
    هل نكرّم ذلك الإنسان؟
    أم نكرّم الأثر الذي تركه فينا؟
    وأيهما أصدق: تمثال… أم استمرار النَفَس؟

    لأن الإنسان الذي علّمك أن الفن نَفَس الوجود…
    لم يكن يعلّمك الفن،
    كان يعلّمك كيف تعيش دون أن تختنق.