بقلم / محمد رشيد:
العراق:-
الرياضة ضرورة من ضرورات الحياة فهي ليست مجرد نشاط بدني، بل أسلوب حضاري يعزز الصحة، ويقوي الإرادة، وينمّي روح التعاون بين الناس. وفي مختلف تخصصاتها تمنح الرياضة الإنسان طاقة إيجابية وتوازناً جسدياً ونفسياً واجتماعياً. ومع ذلك، يبقى لديّ تحفظ على بعض الرياضات التي تقوم على العنف، مثل الملاكمة والمصارعة وغيرها
، لأن الرياضة في جوهرها رسالة إنسانية ترتقي بالإنسان ولا تدفعه نحو الإيذاء.
إننا جميعاً مطالبون بإدراك أهمية الرياضة ووضعها ضمن أولويات حياتنا، لكن المشكلة تبدأ حينما تنحرف الرياضة عن أهدافها النبيلة. فعندما تتحول من فضاء للمتعة والتنافس الشريف إلى ساحة للتطرف والتعصب والعنف والرهانات والفساد، وعندما ترافقها الإطلاقات النارية والفوضى في الشوارع، فإنها تفقد معناها الحقيقي وتتحول إلى مصدر عنف وأذى للمجتمع. وهنا تبرز مسؤولية الجهات المعنية وصنّاع القرار لوضع حدٍّ لهذه التجاوزات التي تسيء إلى الرياضة قبل أن تسيء إلى المجتمع.
وفي المقابل تأتي الثقافة بوصفها ركيزة أساسية في تنمية الإنسان وبناء،المجتمع. بل إن أهميتها في بعض الأحيان تتجاوز أهمية الرياضة لأنها تصنع الوعي، وتبني الفكر، وتؤسس لنهضة حضارية حقيقية. فالثقافة هي التي تنمّي الإنسان وتغذي عقله وروحه، وهي التي تمنح المجتمع القدرة على التقدم والتفاهم والتسامح والسلام
وحين يشارك العراق في المؤتمرات الثقافية والمهرجانات والمسابقات العربية والعالمية، غالباً ما يحضر اسمه مقروناً بالتفوق والتميز لأنه يحصد الجوائز والأوسمة والميداليات الذهبية بجهود المبدعين والمثقفين وهذا الانجاز يُعد فوز حضاري راقٍ لا ترافقه خسائر أو مآسٍ كتلك التي وثّقتها الكاميرات في بعض الملاعب حين تتحول لحظات الفوز إلى (فوضى) و(رمي عشوائي) في المدن فتقتل أرواح بريئة برصاصات طائشة لمجرد أن فريقاً انتصر على آخر.
ومن هنا يقتضي الواجب الوطني إعادة الاعتبار للثقافة وادوارها التنويرية
وأن تغذى مؤسساتها مثل ( برلمان الطفل العراقي)
و (نادي المثقفين العرب) و(مؤسسة جائزة العنقاء الذهبية الدولية) وإنعاشها قبل أن تدخل مرحلة الاحتضار. فالثقافة ليست ترفاً بل هي استثمار حقيقي في الإنسان. ومن المؤسف أن تُهدر المليارات في مجالات يرافقها التعصب الرياضي أو الفساد أو اللهو الفارغ، في حين تبقى المؤسسات الثقافية تعاني من (الإهمال المتعمد)
و(قلة الدعم) .
إن المجتمع المتوازن هو الذي يجمع بين متعة الرياضة ونور الثقافة؛ رياضة تُمارس بروح حضارية بعيداً عن التعصب والعنف، وثقافة تبني الوعي وترتقي بالإنسان. وعندما يتحقق هذا التوازن، نستطيع أن نصنع مجتمعاً صحياً في جسده المعافى ، واعياً في فكره المبدع ، وإنسانياً في قيمه النبيلة .