بقلم: المستشار و المحامي وديع بنجابي – مكة المكرمة
في مسيرتنا نحو تحقيق رؤية المملكة الطموحة، ندرك يوماً بعد آخر أن قوة السلسلة تقاس بأضعف حلقاتها. وإذا كنا نتطلع إلى بناء اقتصاد مزهر ومجتمع حيوي، فإن هذا الطموح لن يكتمل ما لم ترتفع كافة أضلاع التنمية بنفس النسق والتناغم. إلا أن هناك فجوة مقلقة بدأت تتسع بين “روح الأنظمة التنموية” و”نصها البيروقراطي”؛ فجوة لا تهدد فقط بهدر الجهود، بل تسمح بنشوء أسواق سوداء للاحتيال المقنن الذي يتغذى على الثغرات التشريعية.
وقبل أن نسترسل، لا بد من وقفة إنصاف وإشادة مستحقة بما نلمسه اليوم من كفاءة تقنية فائقة، ورغبة حقيقية جادة وصادقة من قِبل وزاراتنا وجهاتنا الحكومية في تجويد العمل وتطويره. هذا الحراك الرقمي والتنظيمي ليس مجرد حبر على ورق، بل هو واقع مشهود وجهود جبارة نفاخر بها، ونعلم يقيناً أن خلفها عقولاً وطنية مخلصة تسابق الزمن لتأسيس بنية تحتية لا مثيل لها. لكن المعضلة تكمن في أن المتربصين بالتنمية يطورون أدواتهم أيضاً للالتفاف على هذه المنظومات الذكية.
قبل أيام، أتيحت لي فرصة الاستماع إلى ممثل لإحدى الشركات التي تقدم خدمات “تمكين التوطين”، ولم أملك أمام عرضهم لنموذج عملهم إلا ضحكة مريرة يختنق فيها الحزن بالسخرية. بكل ثقة، كان المتحدث يشرح كيف يلتفون على الأنظمة بمستوى امتثال شكلي وقانوني دقيق، محولين “السعودة” من أداة لبناء القدرات إلى تجارة أرقام جوفاء، عبر توظيف وهمي لا ينتج قيمة مضافة، ولا يمنح الشاب السعودي مهارة حقيقية، بل يحوله إلى مجرد رقم صامت في كشوف المرتبات لإرضاء مؤشرات الأنظمة الرقمية.
هذا النمط من السلوك الاحتيالي ليس مجرد مخالفة عابرة، بل هو “خيانة تنموية” صريحة لجوهر الرؤية. إنه يعيدنا إلى المربع الأول الذي نحاول الفكاك منه: التعامل مع الإنسان السعودي كـ “مورد بشرى” مستهلك وعبء مالي يجب جدولته ككلفة تشغيلية، بدلاً من النظر إليه كـ “رأس مال بشري” وأصل استثماري تجب تنميته وتطويره ليقود اقتصاد المستقبل.
إن الجذر البنيوي لهذه المعضلة يكمن في فجوة “الامتثال الورقي” (Checkbox Compliance)؛ حيث تكتفي الأنظمة أحياناً بالتحقق من استيفاء شروط تقنية وصورية (وجود سجل، تسجيل في التأمينات، تحقيق النسبة رقمياً)، دون القدرة على قياس الأثر التنموي الحقيقي (هل هناك إنتاجية؟ هل هناك تطور وظيفي؟). ومن هنا، فإننا نتطلع إلى أن تتوجه تلك الكفاءة التقنية العالية التي تملكها جهاتنا اليوم نحو “هندسة الأنظمة الاستباقية” التي تربط التمكين بالإنتاجية الفعلية والقيمة المحلية المضافة (ICV)، واستخدام أدوات تحليل البيانات المتقدمة للتنبؤ بالاحتيال السلوكي لهذه الشركات وقصه من جذوره قبل أن يستفحل.
إن التحول من مفهوم “الموارد” إلى “رأس المال البشري” يجب أن يُمأسس كعقيدة عمل تبدأ من أعلى الهرم التشريعي لتشمل كل مستفيد، بما في ذلك إعادة صياغة شبكات الأمان الاجتماعي (كالضمان الاجتماعي) لتتحول من الرعوية والاعتمادية إلى التمكين والإنتاجية. فرض الكفاية التنموي يقتضي شمولية لا تقبل التجزئة، وبناء وطن طموح لا يتم بملء كؤوس المؤشرات بأرقام وهمية، بل برفع المنسوب الأدنى لوعينا وإنتاجيتنا، لتصبح الأرضية صلبة، والنهضة حقيقية، والواقع معاشاً يلمسه كل مواطن.
وفي الختام ، لا نملك إلا أن نسأل الله العلي القدير أن يمد القائمين على هذه النهضة المباركة بعونه وتوفيقه، وأن يرزقهم السداد في القول والعمل، ويشد بأزرهم لقطع دابر كل عابث بمقدرات هذا الوطن، وأن يديم على بلادنا رفعتها وازدهارها وأمنها.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.